عبدالحسين شعبان: الطائفية قنبلة موقوتة تهدد مجتمعنا العربي

الجلسة الثالثة: تحديات الانقسامات العرقية
صحيفة الخليج

تحدث في الجلسة الثالثة، الباحث والمفكر العراقي الدكتور عبدالحسين شعبان، حيث طرح السؤال التالي: هل الهوية بركة مغلقة ومياه راكدة، أم أرخبيل مفتوح وشواطئ متصلة؟ وحاول الاجابة عنه في ورقة عمل مطولة تحت عنوان تحديات الانقسامات العرقية والطائفية . . الهوية والاختلاف .

وأدار الجلسة محمد بن حسين الشعالي، وزير الدولة للشؤون الخارجية السابق، وقدم الضيف، مباركاً ل الخليج عيدها الاربعين، مستعرضاً بعض التحديات التي واجهتها، وصمودها في وجه تلك التحديات، قائلاً: نحن لا نحتفل اليوم بعيد الخليج الأربعين، بل بعيد صمودها المتكرر . وعن موضوع الجلسة أوضح أن الانقسامات الطائفية والعرقية أصبحت تستغل من الخارج، وهي من أخطر الأمراض التي تصيب مجتمعاتنا، وهي قنبلة موقوتة، من اخطر القنابل التي تهدد مجتمعنا العربي .

وقال الدكتور شعبان إن جواب هذا السؤال يتوقف على فهم التحديات العرقية والطائفية التي واجهت مجتمعاتنا العربية، لا سيما في العقدين ونيف الماضيين . فإذا كانت الهوية موضوع جدل، وربما صراعاً فكرياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً وتاريخياً ونفسياً، فإن هذا الموضوع احتدم بعد انهيار الأنظمة الشمولية، وبخاصة في أوروبا الشرقية، وتحلّل المنظومة الاشتراكية السابقة، حيث وجدت الهويات الفرعية، الفرصة مناسبة للتعبير عن كيانيتها بعد طول انتظار وكبت وشعور بالغبن والحرمان، وأدّى هذا المتغيَّر إلى انقسام دول، وانفصال كيانات ظلّت متّحدة لسنوات طويلة، أو هكذا بدت الصورة، ولعب انهيار نظام القطبية الثنائية وصعود الولايات المتحدة كلاعب أساسي في العلاقات الدولية، في ظل هيمنة العولمة، دوراً مهماً في تشجيع ذلك . وأصبح الإقرار بالتعددية والتنوّع الثقافي والقومي والديني واحترام حقوق الهويات الفرعية وخصوصياتها مسألة عالمية، شجعت الأقليات على المطالبة بحقوقها وكيانياتها الخاصة، من خلال بيئة دولية داعمة، وظروف مناسبة موضوعياً وذاتياً، ولذلك فإن جدل الهويات وصراعها أحياناً، ارتقى إلى مصاف نزاعات كبرى وحروب أهلية .

وإذا كان الاهتمام بالهوية في ربع القرن الماضي قد ترافق مع انخفاض منسوب الصراع الأيديولوجي، أو تحوّله من شكل إلى شكل آخر في أواخر الثمانينات، وانتهاء عهد الحرب الباردة، فإن الظاهرة الدينية والطائفية والاثنية، التي بدأت ارهاصاً، أخذت تعبّر عن نفسها في الظروف الجديدة على نحو أكثر وضوحاً، بتأكيد خصوصياتها الثقافية والتاريخية واللغوية .

ورأى الدكتور عبدالحسين شعبان أن عدم الاعتراف بالخصوصيات الثقافية والهويّات الفرعية، كان سبباً في الكثير من المشكلات الداخلية، لاسيما في العديد من البلدان العربية، فهضم الحقوق والتجاوز عليها، ينتقص أساساً من أحد أركان الدولة العصرية، التي ما نزال نطمح اليها . وأركان هذه الدولة خمسة هي: الحرية، والمساواة التامة، والمواطنة الكاملة، والعدالة، والمشاركة . ولعل تجربة الأكراد في العراق، وتجربة جنوب السودان، ومؤخراً تجربة الحوثيين في اليمن خير دليل على ذلك، فقد انشغلت الدولة العراقية منذ تأسيسها في العام 1921 وحتى اليوم بالمسألة الكردية، التي يعود السبب الأساسي فيها إلى عدم الاعتراف بالهوية الفرعية، والتجاوز على الحقوق .

وكذلك الحال بالنسبة لجنوب السودان فمنذ استقلال السودان في العام ،1956 استمر الصراع على الحقوق والاعتراف بالهويات الخاصة، إلى أن وصلت البلاد اليوم إلى حافة الانقسام الذي قد يتخذ شكل استفتاء شعبي، بعد أن وصلت الطرق جميعها إلى الانغلاق، ويبدو أن لا حلول لذلك حتى الآن .

أما المسألة الطائفية، فهي إحدى أهم التحدّيات الكبرى التي تواجه عدداً من البلدان العربية، فالمحاصصة الوظيفية الطائفية في لبنان أصبحت بمصاف القانون سواء عبر دستور العام ،1943 أو وفقاً لصيغة مؤتمر الطائف عام ،1990 وارتقت إلى مستوى القاعدة القانونية العرفية الآمرة، وفي العراق كان قرار بول بريمر بتقسيم مجلس الحكم الانتقالي إلى شيعة وسنة وأكراد وتركمان وكلدو آشوريين، بتحديد نسب كل مجموعة، بمثابة إعلان بيان طائفي بامتياز، لا يزال ساري المفعول من الوزير إلى الخفير .

وفي البحرين وبعض دول الخليج صعدت المسألة الطائفية إلى السطح، وهي تنذر بالاحتدام، إن لم تتلقَ معالجات تتسم بتعزيز المواطنة والمساواة وتوسيع دائرة المشاركة السياسية، ووضع حد لطغيان الزحف الطائفي، وتفشيه على نحو خطير كمرض اجتماعي .

ولعل هؤلاء الطائفيون، وإن كانوا يتحدثون عن هوية، فإن مثل هذه الهوية الفرعية لا يمكن تقديمها على هوية المواطنة، الدولة، التي تشكل المشترك الإنساني لتفاعل وتلاقح الهويات، مع احترام تميّزها وخصوصيتها وحقوقها، بما فيها من طقوس وتاريخ ورموز .

إن وجود هوية فرعية في مجتمع متنوّع وفيه تعددية ثقافية مصدر إغناء وإثراء لذلك المجتمع، والهوية ليست ثابتة، إنها متحوّلة ومتغيّرة، وإن بعض عناصر الهوية تتغيّر، مثل العادات والفنون، حذفاً أو إضافة، لاسيما علاقاتها مع الثقافات والهويات الأخرى، تأصيلاً واستعارة، علماً بأن هذه التغييرات لا تأتي دفعة واحدة، بل تتم عملية التحوّل بصورة تدريجية، تراكمية، طويلة الأمد .

في المجتمعات المتقدمة لا نستطيع الحديث عن صراع الهويات، اما في المجتمعات اللاديمقراطية (البلدان النامية عموماً، ومنها بلداننا العربية)، فإنها تعاني من صراع الهويات، باستثناءات محددة .

وحسب أدونيس، فإن نفي الآخر ليس سوى نفي الذات، والعكس هو الصحيح، فالانفتاح هو زيادة الغنى، ولا ذات بلا آخر، ولا ذات من دون تأثير وتأثر، وكلما كانت الهوية قوية وفاعلة، تكون أكثر ثقة بالنفس وأكثر استعداداً للانفتاح .

ولا يمكن فرض الهوية بالقوة وبأساليب القمع والطغيان، لأن ذلك سيؤدي إلى التفتت والتباعد والانعزال والكراهية وانعدام الثقة، كما لا يمكن إلغاء الفروق تحت أية حجة، لأن في ذلك ليس سوى استلاب للهويات الفرعية، واستعلاء وتعصب .

وفتح باب النقاش أمام الحضور، وقدم عدد منهم مداخلات ونقاط نظام، وطرحوا الأسئلة التي أجاب عنها الدكتور عبدالحسين شعبان . ومن المتحدثين أحمد الجمال، الذي تطرق إلى موضوع هجوم بعض الجماعات الفرعية على الكبيرة، والحديث عن ما يسمى بالغزو البدوي الصحراوي، والأمة النوبية، والهوية البدوية، والتعدد الطائفي في مصر، إذ لم تعد قضية الأقباط هي المشكلة الوحيدة، وإذا لم نستقر على احترام أسس الهوية وتكوينها، فسوف نكتشف أننا مجموعة من الكنتونات الصغيرة، لكل منها الحق في الانفصال عن الآخر .

الدكتورة ابتسام الكتبي ترى أن عدم إعمال مبدأ المواطنة، هو ما خلق المشكلة والدولة القطرية في المنطقة العربية، التي عملت على دمج وإذابة هويات، وعدم دمج الأقليات في المجتمع ومساواتهم مع الآخرين هو ما يدفعهم إلى الانفصال والخروج من عباءة الهوية الكلية الجامعة، وعدم النجاح في تكوين مجتمع مدني متحرر من العصبوية هو سبب آخر .

واشار أحمد أبو زيد إلى التغير الديمغرافي، وأثر ذلك على الهوية الوطنية في دول مجلس التعاون، وتأثير الخلل في البنية الديمغرافية على الهويات .

د .أحمد التدمري، تحدث عن التجربة العراقية، التي كانت الطائفية إحدى أسباب دمارها، الذي يعد خسارة للأمتين العربية والإسلامية .

إبراهيم البشمي، تطرق إلى التجربة البحرانية الطائفية، والمدرستين السنية والشيعية، ودور الحكومة وتدخلها لدمج المجتمع، والاندماج الشيعي في العمل السياسي، والتحول الذي أدى إلى إحلال الفرع المذهب مكان الأصل، الأمر الذي يظهر في عمليات الانتخابات .

خديجة الزين، أكدت أهمية حسن التعامل مع الأقليات، كي لا يتحول الموضوع إلى اشكالية تتعلق بوجود الدولة، ويشكل خطورة على استقلالها، ونحن بحاجة لأن يضمن الموضوع في سياستنا وحياتنا، كي يخلق طفلاً متسامحاً مع ذاته والآخر .

غازي أبو دقة، استعرض بعض تجارب المبدعين الذين ينحدرون من أقليات، وشكلوا إضافة نوعية في ميادين الحياة المختلفة، التي من شأنها خدمة اوطانهم وقضاياها والعروبة أيضاً، والعروبة هي اختيار ليس بالمولد او النشأة او اللسان، إنما خيار وانتماء بعيداً عن التدخلات الأجنبية .

عصام الرواسي، يعتقد أن المشكلة أخطر من الديمقراطية، لأن فيها تخلصاً ومحاولة اقصاء للآخر، ويجب الاهتمام بالموضوع، المشكلة ليست موجودة في الغرب، وديمقراطية أمريكا صدرتها، للقضاء على ما تبقى من الامة العربية، إذا استسلمت لبراثنها .

ريم عبيدات، تبين أن طريقة طرح سؤال الهوية متكلس، فالهوية فرصة للحياة، ولا بد من التأكيد على أن التنمية حرية وهوية، وهذا ما يجب العمل عليه .

د .علي فخرو، يرى أن الديمقراطية قد لا تأخذ الهويات الفرعية بعين الاعتبار، والأصل في الموضوع هو العدالة، وحيثما وجدت لا يوجد صدام بين الهوية الفرعية والعامة .

د . أنس صبري، طرح عدة تساؤلات حول من يدعي ان العلمانية هي الحل في لبنان، وحول الاندماج الطائفي في مصر الذي، على يبدو، انه تأخر كثيراً . فيما تحدث صلاح البنا عن الفهم الأمريكي للاقليات، وما يحيط بالمشكلة من تداعيات وأبعاد .