علي فخرو: الوطن العربي يشهد مشاركات سياسية مظهرية هامشية غير فاعلة
استعرض الدكتور علي فخرو الكاتب والمفكر والوزير البحريني السابق، في ورقة العمل التي تم عرضها ومناقشتها، حول التحديات العربية الداخلية المشاركات السياسية في الدول العربية، موضحاً أنه في جميع الأقطار العربية، من دون استثناء،
توجد محدّدات وعقبات، لأسباب مختلفة تجعل المشاركة السياسية من قبل الشعوب العربية ومؤسسات المجتمع المدني مليئة بالثغرات والنواقص الجوهرية . والمحصّلة هي أننا أمام مشاركة سياسية مظهرية هامشية غير فاعلة في الواقع السياسي العربي .
تطرق الدكتور علي فخرو، خلال مناقشات الجلسة الثانية من جلسات المؤتمر التي أدارتها الدكتورة ابتسام الكتبي أستاذة العلوم السياسية بجامعة الإمارات، إلى الشروط اللازمة للمشاركة السياسية النشطة المتمكّنة المؤثّرة، والطرق المطلوب ولوجها لتغيير مسار المشهد الحالي .
وأوضح في ورقته أن هناك شبه إجماع على أن التاريخ السياسي العربي الإسلامي، هو سلسلة من فكر وممارسات الاستبداد، وأن هذا التاريخ لا يزال حاضراً بقوة بيننا . ولا يحتاج الإنسان إلى الدخول في تفاصيل ممارسات الدولة العربية الحالية من حكم استبدادي، فردي أو عسكري أو حزبي، ومن تخلّ تدريجي عن مسؤوليات الدولة تجاه الفقراء والمهمشين، تحت أنظمة تبتعد أكثر فأكثر عن دولة الرعاية الاجتماعية، وتقترب أكثر فأكثر من دولة الرأسمالية العولمية المتوحّشة، وأن مجتمعاً مهمشاً ومخترقاً ومقموعاً من قبل سلطات دولته، لا ينتظر منه أن يشارك في العملية السياسية بصورة فاعلة تغييرية في الواقع . إن مشاركته تبقى فولكلورية تحسن وجه النظام الحاكم في الخارج، وتخدّر مشاعر التغيير في الداخل، وتبقي المستقبل كعلامة استفهام كبيرة، ونتيجة لذلك الفكر ولتلك العلاقات، يصبح الإنسان العربي مغترباً عن ذاته، يعيش على هامش الأحداث، راضياً بالاستباحة والإذلال، منفعلاً بالأحداث، ولكن غير معنيٍّ بتغييرها .
ووضع الدكتور علي فخرو شروطاً لازمة للمشاركة السياسية، أهمها نظام سياسي يؤمن بالمشاركة، بجانب دستور وقوانين تحمي هذه المشاركة، بالإضافة إلى مؤسسات مجتمع مدني تنظم وتنشط وتدافع عن تلك المشاركة، لافتاً إلى أن الوضع الراهن العربي كوضع الكثير من جوانب الحياة العربية، هناك مسافة شاسعة بين ما يقال أو يكتب، وبين ما يتحقق في الواقع . فنظرة واحدة للغالبية السّاحقة من الدساتير العربية، حتى ولو لم تكن شرعية في مصدرها وطريقة وضعها، تشير إلى أن شروط المشاركة السياسية من قبل المواطنين ستكون ميسورة، فهي تقرر أن الأمة، أي المواطنين، هي مصدر السلطة، وهي في مجملها تكفل حرية الرأي والنشر والاجتماع وتكوين النقابات والجمعيات السياسية أو الأحزاب، وهي تؤكد المساواة بين المواطنين، وتساويهم أمام القانون، وفي الحقوق والواجبات، وهناك بالطبع فروق بين الأقطار العربية من مثل عدم السماح بقيام الأحزاب في دول مجلس التعاون، حتى في الدول التي تسمح بقيام تكتلات أو جمعيات سياسية ممثّلة في البرلمانات، كما هو الحال في البحرين أو الكويت .
وأكد الدكتور علي فخرو أن هناك مسافة كبيرة بين ما تقوله الدساتير، وبين الواقع السياسي، فالشعب العربي ليست لديه سلطة حقيقية، وإنما هو تابع لسلطة الحكم . إنها حلقة جهنمية يدور فيها المجتمع العربي، فالسلطة القائمة تمنع الناس من المشاركة السياسية الفاعلة، لأنها تخاف منهم، والمواطنون لا يناضلون بكفاءة واستمرارية للحصول على حقوق المشاركة الفاعلة، لأنهم بدورهم يخافون غضب وبطش السلطة . إنها حلقة يمتزج فيها الخوف الحقيقي مع الخوف المتوهم ليخلق مجتمعاً يسيّره الخوف، لافتاً إلى أن هناك مجموعة أسباب أخرى تؤدي إلى ضعف المشاركة السياسية من قبل المواطن العربي، منها الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي الذي تحياه غالبية المواطنين العرب، فالكدح لسدّ الرمق اليومي لأسر هؤلاء الكادحين، يجعل الاهتمام بالمشاركة السياسية ترفاً يأتي في آخر قائمة اهتمامات المواطن، وهناك الأمية التي تعطّل الوعي السياسي بسبب عدم القدرة على التواصل مع الجريدة والكتاب والتلفزيون، تواصلاً ملتزماً ومحفزاً، وهناك التعتيم المعلوماتي الذي تفرضه السلطة لإبقاء المواطن في حالة جهل بما يجري حوله، وبمدى إخفاقات الأجهزة الحكومية، كذلك الاقتناع المترسّخ عبر السنين بأن المشاركة السياسية ستكون محدودة الأثر وشكلية، وذلك بسبب عمليات تزوير شتى أنواع الانتخابات، وبسبب غياب الخيارات بالنسبة للأشخاص والبرامج، فانتخابات رئاسة الدولة محسومة سلفاً، والحزب الحاكم سيفوز بقوة، وبطش الدولة والمنابر الإعلامية أثناء الانتخابات تبقى حكراً على من ترضى عنهم الدولة، بينما تبقى المنابر الإعلامية موصدة في وجه مرشحي المعارضة، والنتيجة هي يأس المواطن من السياسة والسياسيين، وانعزاله عن حقل السياسة . غير أن العامل الأكبر في ضعف المشاركة السياسية هو موضوع الأحزاب العربية، وهو موضوع يستحق أن نعطيه اهتماماً خاصاً .
وأشار الدكتور فخرو إلى أن الخطوة البديهية الأولى في أي مسيرة عمل جادة، تبدأ بتكوين جبهة أو شبكة تضم كل الشرفاء الجادّين غير المنضوين تحت أجنحة الحكم الفاسد، سواء من الأفراد المستقلين، أو من المؤسسات المدنية السياسية وغير السياسية، وذلك للاتفاق على برنامج عمل يهدف أولاً لإيقاف التدهور الحالي أمام المشروع الصهيوني - الأمريكي والاستبداد الداخلي، ويهدف ثانياً، إلى استعادة العافية للمجتمع المدني العربي، من دون هذه الخطوة ستكون كل التصورات الأخرى أجزاء متناثرة قابلة للانتكاس .
وبعد أن قدم الدكتور فخرو عرضاً مفصلاً لتحديات المشاركة السياسية، قام المشاركون في الجلسة بطرح تصوراتهم وآرائهم من خلال مناقشات عامة، حيث تحدث أحمد الجمال مدير مكتب الخليج بالقاهرة عن موضوع الهوية وكيف أن الدول العربية الكبرى مثل مصر وسوريا لا تزال إلى يومنا هذا تناقش هويتها من حيث كونها عرباً أم لا، مشيراً إلى أن المجتمعات العربية تتصف بالضعف، كونها تفتقد إلى وجود الطبقة الوسطى، مما أدى إلى اتساع الفجوات بين التيارات السياسية .
وعقب الدكتور عبدالله السويجي من جامعة عجمان بدولة الإمارات قائلاً: إن المشاركة السياسية في الوطن العربي لم تصل إلى الأهداف المنشودة، بسبب انشغال الأفراد في هذه المجتمعات بالبحث عن لقمة العيش، فضلاً عن افتقاد جيل الشباب للدوافع المحركة لمزاولة العمل السياسي، مؤكداً ضرورة دعم المشاركات السياسية، وتدريس الديمقراطية ضمن مناهج التعليم في المدارس لغرس مفاهيمها في نفوس الطلاب من الصغر .
وفي مداخلة للدكتور أحمد جلال التدمري الباحث الاجتماعي بإمارة رأس الخيمة، أكد أن الفرد العربي يشعر بأنه مهمش وفاقد لدوره في العملية السياسية من خلال الضغوط التي يواجهها في حال اشتغاله بالعمل السياسي، لافتاً إلى أنه لا بد من بناء الشخصية العربية وفق معايير تكفل لأفراد الوطن العربي ممارسة العمل السياسي في سهولة ويسر .
وقال الدكتور حسن قايد الصبيحي من جامعة الإمارات، إن المجتمعات العربية تسير وفق مقولة، الناس على دين ملوكهم، وأن أفراد المجتمعات العربية أصبح لديهم حالة من عدم المبالاة، وبات العرب في حالة من الانقسام العرقي لا يشعر بعضهم بآلام البعض الآخر، مؤكداً ضرورة الخروج من المؤتمر بقرارات تسهم في التصدي للتحديات التي يواجهها الوطن العربي .
وتحدثت فاطمة محمد الهديدي الكاتبة الإماراتية في تعقيب لها على ما جاء في ورقة العمل التي تقدم بها الدكتور علي فخرو، قائلة إن الورقة بها الكثير من التشاؤم وقليل من التفاؤل، وأن تلاشي الطبقة الوسطى في المجتمعات الخليجية بسبب مدخول الفرد المادي أدى إلى غياب الرغبة في العمل السياسي، وذلك سعياً وراء الأعمال التجارية التي تحقق الربحية .
أما محمد هزاع الحراكي المدير الإقليمي لإحدى المؤسسات الألمانية العاملة في الدولة، فقد أكد ضرورة إيجاد آلية محددة في كل الدول العربية للعمل السياسي، ونشر الوعي لدى أفراد المجتمعات العربية لتوعيتهم، وتعريفهم بحقوقهم السياسية، بعيداً عن تداخلات المصالح الشخصية أو الدولية .
وقالت خديجة الزين الحاصلة على جائزة الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد، إن التحول إلى الديمقراطية لا بد وأن تسبقه دراسات للسياسات السابقة للوقوف على آخر المستجدات على الساحة السياسية، لافتة إلى ضرورة إيجاد مراكز بحثية متخصصة في السياسات، لعمل أبحاث ذات قيمة حقيقية .
وفي تعقيب للدكتور إبراهيم الشمسي من جامعة الإمارات حول التحديات التي تواجهها المجتمعات العربية من أجل المشاركات السياسية، أكد أنه من المستحيل أن نطالب بالديمقراطية في ظل الأوضاع السياسية الحالية، مشيراً إلى ضرورة العمل على منح الشعوب العربية المزيد من الحريات للمشاركة السياسية .
وقال صلاح قاسم البنا الباحث السياسي متناولاً فشل السياسات القطرية بداية من الخمسينات إلى الوقت الراهن، سواء كانت بعثية أو ناصرية أو غير ذلك من الاتجاهات الفكرية السياسية، مشيراً إلى أن الفشل أصبح حليفاً لمعظم السياسات الحالية .
وطالبت خيرة قسومة الكاتبة والباحثة التونسية في تعقيب لها، بضرورة تدريس الديمقراطية في المدارس أسوة ببعض المدارس في الدول المتقدمة، التي تقوم جالياتها في الإمارات بتدريس الديمقراطية وممارستها في المدارس الخاصة بها .