عزمي بشارة: العروبة ليست منظومة إيديولوجية بل ثقافة وطنية قومية
أكد الدكتور عزمي بشارة، في محاضرته التي حملت عنوان نحو مشروع عربي ديمقراطي، والتي سلطت الضوء على أهم التحديات التي تواجه المجتمع العربي ومشروع النهضة ومعوقاته، أنه لا يمكن الحديث عن مشروع عربي بمفهوم الحنين للماضي حيث يجب الأخذ بعين الإعتبار تغيير مفهوم ووظيفة الوحدة العربية، والتجرد من الخيبات والمرارات والاحباطات التي عصفت بالأمة، مع عدم التجرد من العواطف عند الحديث عن الفكرة القومية، حيث إن العروبة ليست منظومة إيديولوجية ولا منظومة فكرية سياسية بل هي ثقافة وطنية قومية .
تساءل بشارة عن مدى وجود مشروع عربي في الماضي، أم أنه كان مجرد شعار استخدمت ادواته لقمع الشعوب بعدما ثبت أنه لا يمكن الحفاظ على الحقوق الاجتماعية في ظل غياب الحقوق السياسية، ما يتطلب وجود نوع من العدالة السياسية لتحقيق الديمقراطية التي ترتبط أبعادها بالحريات .
وقال إن عملية تحديث المفاهيم الديمقراطية عرفت انحرافا كاملا، حيث من غير الممكن الحكم على أنظمة الماضي بمفاهيم ديمقراطية اليوم، كما يجب عدم الحكم على دكتاتورية تلك الأنظمة بمفاهيم دكتاتورية اليوم على اعتبار أن تلك الأنظمة كانت تشكل جمهوريات لا أنظمة ملكية قائمة على مبدأ الفصل بين الملكيات العامة والخاصة بمفهوم أن الحاكم لا يملك الارض وما عليها بل هو تعبير عن إرادة الشعب .
وأشار الى ضياع الفارق بين الحيز العام والخاص في ظل المسافة الصغيرة التي تفصل بين استيعاب الدولة والتوريث، على اعتبار أن الدول الملكية منسجمة مع ذاتها أخلاقياً، وأن الاستبداد عبارة عن حكم غير مقيد، موضحا أن التحول الذي حدث مؤخرا على مستوى طبيعة الانظمة العربية التي تحمل المشروع القومي أحدث تقاربا بين انظمتها المحكومة من قبل الاسر والاغنياء الجدد والأجهزة الأمنية في ظل غياب النظام الانتاجي مع غياب الرقابة لتتحول الى بيرقراطية دولة فاسدة، وهو ما يسمى ببرجوازية الدولة الريعية المتمثلة ببيع الخدمات التي لا تشارك بها الايدي المحلية العاملة .
وقال إن القومية العربية في مرحلة الوحدة الفظة دفعت بالقوميين العرب لتخطي بعض القضايا العربية ليصار الى تقسيم المجتمعات لطوائف واشلاء من قبل المحاولين لضرب الانتماء العربي، مع العلم أن دولة المواطنة تتطلب ديمقراطية ما حدا بهم لاستحداث دولهم بأنظمة خاصة بهم، وتسبب بتفتيت الاطار العروبي وعدم ايجاد بديل له .
وقال إن العروبة ليست منظومة ايديولوجية ولا منظومة فكرية سياسية بل هي ثقافة وطنية قومية تشكل أساسا لوحدة الشعب في كل دولة عربية لوحدة الدولة بشكل عام حيث لا يعفي التمسك بها من طرح برنامج ديمقراطي اجتماعي يتوخى حقوق المواطن المدنية والعدالة الاجتماعية، نظراً لفشل الدولة القطرية العربية في إقامة دولة للمواطنين وبناء أمة قطرية فضلا عن فشلها في تجاوز ذاتها نحو تحقيق حالة تعاون واتحاد عربيين .
وأكد أنه لا بديل عن الهوية العربية داخل الدولة القطرية وفي العلاقة بين الشعوب العربية مشيراً الى أن الدولة القطرية العربية يحكمها كارتل مؤلف من نظام الأسرة الحاكمة والأجهزة الأمنية ورأس المال الخدماتي التجاري غير المنتج، وأن هذه البنية تعيش التبعية للاستعمار .
وأوضح أن غياب نظام المواطنة القائم على الحقوق والواجبات يستدعي وجود أجندة وطنية ديمقراطية لمجابهة الفساد والفجوة الطبقية وتآكل الطبقة الوسطى، فضلاً عن ديمومة الاستبداد السياسي، مؤكدا كذلك أن القضية الفلسطينية قضية عربية كما جميع الأراضي العربية المحتلة .
وقال إن المقاومة عبارة عن فعل تحرري للارادة السياسية وهي أحد أهم المؤشرات للارادة الحقيقية للأمة في وجه الاستبداد المحلي والاستعمار على حد سواء، حيث تسهم في تحرير الارض العربية لمحتلة على الرغم من عدم قدرتها على هزم إسرائيل كلياً .
وأضاف أنه يجب على العرب تحديد فهمهم لمصالحهم المشتركة ولأمنهم القومي، كما يجب ان يخاطب اي مشروع عربي ديمقراطي هموم المواطن العربي، على اعتبار ان نجاحه يتوقف على قدرته على ربط مشروع التعاون والاتحاد العربيين بهموم المواطن ومصالحه .
وأكد، أن المواطنة وحدها هي اساس العلاقة بين الفرد والدولة، لا الانتماء القومي أو الاثني، كما يجب على المشروع العربي الديمقراطي أن يعترف بالانتماءات غير العربية في إطار الوطن العربي، وبحقوق ثقافية جماعية وإدارة ذاتية بدرجات متفاوتة حسب الظروف العينية وذلك في اطار المواطنة المتساوية مع التأكيد ان العروبة هوية ثقافية حضارية لغوية وليست هوية قائمة على العرق أو الاصل .
وأضاف أن تكون عربيا فذلك يعني أن تعرف نفسك كعربي في فضاء الانتماءات السياسية، فالقومية العربية ليست إيديولوجية شاملة، بل هي انتماء ثقافي يدعي فيه العروبي أنه أصلح من الطائفة ومن العشيرة لتنظيم المجتمع الحديث في كيان سياسي .
وقال: إن المشروع العربي الديمقراطي لا يعني جعل الانتماء للقومية أساس المواطنة، بل يعني أن العروبة أساس حق تقرير المصير وبناء الدولة، حيث لا بد من الفصل بين المواطنة والاصل الإثني أو الديني أو القومي، لتقوم بذلك الدولة على أساس قومي يتلخص بتسييس الانتماء الثقافي، وعلى حق تقرير المصير، على اعتبار أن الاخذ بالقومية كأساس لبناء الدولة يعتبر أمر طبيعي في الدول غير الاستيطانية .
وأكد أن المشروع العربي الديمقراطي يعني السعي والتوق لتأسيس اتحاد بين الدول العربية لطرح برامج واقعية تدريجية قابلة للتحقيق تقوم أساسا على وجود مصلحة للمواطن في تطبيقها .
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد الدكتور عزمي بشارة، أن المنطق الذي بدء بالنشوء في دولنا العربية والمتمثل بالتحديث أضر بتفكيرها بالقضية الفلسطينية، حيث لم يكن دعم القرار الفلسطيني المستقل قائماً على نية سليمة بل كان بهدف الانقسام للتفاوض كل على حدة مع الكيان الاسرائيلي .
وأضاف أن المقاومة نشأت في إطار الصراع العربي - الاسرائيلي، حيث سخرت الحدود لها لكونها كانت بمجملها حدود حرب يسمح للفلسطينين المشاركة في المقاومة عبرها لتحرير الاراضي الفلسطينية، إلا أنه بعد تغيير مفهوم المقاومة وتحييد بعض الانظمة فكرة الصراع العربي - الاسرائيلي، بدأت هذه الحدود تغلق واحدة تلو الاخرى، لتنتقل بذلك المقاومة الى الداخل بعد إغلاق جميع الجبهات، ليصار بالنهاية الى حظرها بعد ان تم اختيار الصلح المنفرد من قبل الحكومة الفلسطينية .
وأكد أن القضية الفلسطينية مرتبطة بالهوية العربية، حيث تعتبر مؤشرا لمدى وجود أمة عربية من عدمه، ومن هنا يجب استرجاع الذات وعدم فرض العروبة على أحد، بعد الوصول الى قناعة الى انتهاء مشروع دولة عربية واحدة توحد الجميع والإستعاضة عنه بمشروع اتحادي لا وحدوي .
وقال إن النظام الرسمي العربي أكد على مقولة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ليحرر نفسه من مهمة محاربة إسرائيل، وذلك بتبني مقولة ان المقاومة شأن فلسطيني، يجب دعمه عربيا، ليتبين بعد ذلك أنها تشكل عقبة امام عملية السلام ليصار الى منعها .
صحيفة عربية شاملة
أشاد الدكتور عزمي بشارة بصحيفة الخليج وبنفسها العروبي، مؤكداً ضرورة وجود صحيفة عربية شاملة على المستوى العربي تقوم بما تقوم به الخليج، على اعتبار أن الطرف الذي يشكك في الوجود العربي يملك صحف عربية بخلاف الدول العربية التي تعاني من غياب الصحيفة الشاملة التي ترسخ مفاهيم العروبة عند النخب الثقافية .
المقاومة لا تحل كل المشاكل
في ما يتعلق بمداخلة حول المقاومة العربية وامكانية أن يتم تأسيسها للمشروع العربي الذي يسير الجميع في ركابه، اجاب الدكتور بشارة ان المقاومة تحمل اكثر مما تستطيع، حيث يتوجب ازالة التأشيرات بين الدول العربية كافة حتى يقتنع الشاب العربي ان هذا السلوك مفيد، بالاضافة الى مجموعة اخرى من التفاصيل في حياته اليومية، كما ان المقاومة لا تحل كل المشاكل من دون التقليل من أهميتها، والتفاعل معها بوجود أغلبية ساحقة دليل على ان الشعب حي مع وجود علاقة رومانسية في العلاقة بين الشعب والمقاومة .
حلم الهند
عن حلم المواطن العربي خاصة فيما يختص بالديمقراطية كما هو الحال في الهند قال: نتمنى الحياة كالنظام السياسي في الهند الذي يتميز بأنه مركب على كم كبير من الفقراء حيث ان هذا العدد الهائل منهم لا يتمتعون بدولة علمانية لكننا نحلم بدولة فيها نظام اجتماعي اكثر عدالة، اذ انه لا يوجد فقر عربي كما هو الحال بالهند، بالاضافة الى ان الديمقراطية ليست بالسيئة مع ان المواطن العربي لا يستفيد منها، وهي تكون فاعلة في حال عدم وجود الفجوات الطبقية بين المواطنين .
استغلال مباراة
حول اتهام بعض المثقفين بالقوميين أجاب، ان التفكك جرى بوجود الامة العربية حيث ان كل من يعرف عن نفسه بانه عربي يتهم بانه قومي، الا انه وبمفهوم غالبية المثقفين العرب لا يؤيدون القومية العربية كونها مرتبطة بالاستبداد، كما ان علماء الاجتماع يعتبرون القومية حزبا مع انهم ليسوا اعضاء فيه .
إن الذي جرى ابان مباراة الجزائر ومصر في صراعهما على من يمثل العرب في مباريات كأس العالم في كرة القدم تم استغلاله من قبل السياسيين الفاقدين للشرعية الوطنية والقومية لاثارة الاحقاد .
التفتيت جار
في رده على مداخلة الدكتورة ابتسام الكتبي المتعلقة بوجود بصيص امل في آخر النفق قال: حاليا لا توجد دولة لديها مشروع عربي قومي، حيث إن عملية التفتيت جارية بشكل رهيب، كما ان ما يسمى بمحور المقاومة هو في حالة دفاع عن النفس دون حمله لمشروع عربي تدخلي كما كان يتهم في السابق، الا ان المهمة ستكون على عاتق النخب الثقافية الامر الذي سيقابله ثمن .
صحن حمص
حول المفاوضات غير المباشرة الجارية في الوقت الراهن نفى الدكتور بشارة ان يكونوا قد ذهبوا تحت ضغوط امريكية معينة، موضحاً ان الرئيس الأمريكي أوباما كان منتفعا من الاستيطان الإسرائيلي وليس الانظمة العربية اذ ان خطاب اليمين الاسرائيلي لا يتفهم الاستراتيجية الامريكية في المنطقة، في حين يشمل الاعتقاد العربي الرسمي ان عدم وجود اجواء جمود سياسي حول المفاوضات لا يسمى بمعسكر التطرف .
ولا اعرف أي قيادة فلسطينية ستقبل بما رفضه الرئيس الشهيد عرفات ما تم طرحه في اتفاقية كامب ديفيد وكان قادرا على الامساك من منتصف العصا، وفي الوقت الراهن تحاصر غزة وتجوع في ظل المنافسة في انتاج اكبر صحن حمص .
مواقف لا مصالح
حول مداخلة بناء المشروع العربي اشار الى ان المشكلة لا تكمن في رفض الانظمة العربية لذلك المشروع، بل ان مسألة التعبير عن الامة تحتاج الى دراسة طويلة ووسائل انتخابات تمنع الانجرار وراء الانقسام، كما انه وفي حال اذا كانت الديمقراطية تعبيرا عن مواقف وليست مصالح فإن الغالبية الساحقة من العرب ستكون مع انشاء الاتحاد العربي، كما اننا نحتاج الى خطوات للتنسيق في قضايا عديدة كالطاقة والتعليم وغيرها .
بُعد جغرافي
قال الدكتور بشارة إنه لا يوجد أي خلاف بين الضفة وغزة حيث ان الموضوع أخذ بعدا جغرافيا وهو من احدى المآسي التي يعيشها الشعب الفلسطيني والذي يمكن وصفه بالخلاف السياسي، كما انه وفي الحالات كافة سيجعل من الاندفاع في المفاوضات والتنسيق الأمني مع إسرائيل وضع المقاومة في السجون .
لا أحمل حركة فتح أي مسؤولية حتى مع ارتكابها للاخطاء كبقية الفصائل كونها الحركة الاكبر .
نحن امام مأزق لا يتم حله الا عبر تغيير عربي من خلال رفع الحصار عن قطاع غزة .
فئة مايكروسكوبية
حول تحويل الدول العربية الى دول ديمقراطية اوضح انه ومن خلال التجربة التركية، خاصة اتخاذ حزب العدالة والتنمية لموقف اتضح انه ما يريده الرأي العام، فإنه وفي حالة تحول الدول العربية للديمقراطية واطلاق المجال لها في التعبير عن الرأي في قضية فلسطين، فإن الذين سيكونون مؤيدين لتسوية غير عادلة هم فئة مايكروسكوبية حيث ان الذين يعتقدون ان قضية فلسطين تخص الفلسطينيين وحدهم لا يستندون الى قطاعات شعبية .