"خليج" المستقبل

صحيفة الخليج
د . يوسف عيدابي

الخليج ليست مجرد صحيفة سيارة كغيرها من الصحف التي تصدر هنا وهناك، بل هي منذ تأسيسها الأول (1970م) صوت نضالي وكلمة لالحقيقة دون خوف وللواقع دون زيف، وقفت في وجه الكولونيالية القديمة، ثم في تأسيسها الثاني ،1980 ذهبت للنضال ضد الكولونيالية الجديدة . إنها صوت من لا صوت لهم في الوطن وفي المنطقة . بدأت ناطقة باسم أهلنا في الإمارات لتتحول صوتاً لنا من المحيط إلى الخليج في جهد لا يفرق بين عربي وعربي إلا بالموقف الوطني القومي الناهض إلى التحول الاجتماعي والتغيير وصناعة وجود عربي مغاير . . ولهذا أصبحت خليّة لمثقفي الوطن الصغير والوطن الكبير .

عانت مثل وطنها المنسي وغنّت للوطن الأكبر ففتحت صفحاتها ومكاتبها لأهل الكتابة والثقافة العضويين من الماء إلى الماء، ولم تبخل عليهم بمساحة ولم تحد من أصواتهم رغم الرقابة التي أفلحت في غير مرة من تكميمها، ولكنها تنفلت من مقص الرقيب لتصل إلى حبر المطابع تقول كلمة الحقيقة وتبشّر بنور المعرفة والعلم والبلاد الجديدة .

إنها ليست مجرد جريدة بل هي نخلة مباركة يتفرعها هوى الوطن وصوت عصافيره . . الراحل الأصيل تريم عمران والملازم خدمة الوطن عبدالله عمران ليسا مجرد صاحبي جريدة الخليج، بل إنهما من جيل الاستقلال ضمن كوكبة نبيلة من أبناء وبنات الإمارات آمنوا بأن الخليج ليس نفطاً، وليست الإمارات بلا تاريخ أو متروكة في القطاع الشرقي للعروبة، بل هي ثغر ثقافي له في التاريخ دور وفي الثقافة شراكة، وفي المستقبل بناة من ذوي العزم، فتنادوا من وطنهم إلى تعاونية فكرية ثقافية اجتماعية تضيء الحاضر لتصنع الغداة، وأسموها الخليج، مع أخت لها أسموها الشروق فكأنهم أرادوا شروق الخليج أو خليج الشروق . . هذا المصطلح الذي لا يزال أهل التاريخ والجغرافيا قبل أهل السياسة يولونه الاهتمام الجدير به فيؤشرون على أهمية استراتيجية ترزح تحت نير مطامع الاستعمارين القديم والجديد بل العولمة الاقتصادية المدركة لقيمة كبح يقظة اقتصاد الشعوب في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، هذه الخليج تقف شوكة في حلوق أهل الجشع والاستغلال .

أما الخليج في الثقافة والتاريخ فليس تابعاً بل محل تلاقح وتفاعل وتجاذب وصراع خلاق يخرج منه ثمر طيب في الشعر والقصة والمسرحية والرواية، في الفنون والآداب وحتى فنون السينما والرسوم المتحركة والدمى والخط، مما يسبغ عليه هويته العربية الإسلامية التي تجهد العولمة أن تحيلها إلى أرض يباب، ولكن هيهات .

هل نأتي إلى الحاضر فنقول إنه بالتأسيس الثاني تحوّلت الخليج إلى ورشة للثقافة المختلفة، الثقافة المغايرة، الثقافة البديل في زمن التحولات العاصفة التي انخرطت فيها الأوطان في ثقافات استهلاكية متحولة إلى ثقافة نمط متحولة إلى ثقافة متعولمة تفتقد فيها الأوطان الهوية والثقافة الخصوصية، وللمثقف دوره التنويري العضوي اللصيق بالناس وحيواتهم اليومية، حتى لا يفتقر قريباً جداً كل إنسان عربي إلى جذوره وأناسه ووطنه؟

كانت الخليج صوتهم أجمعين، ليجد كل منا صوته وصورته وحيّزه الروحي النفسي الاجتماعي العربي الإسلامي، ذلك الحيّز الذي من دونه نكون كوزموبوليتانيين متفاخرين بعولمة الغرب، ملتبسي الكيان وفاقدين لروح عصرنا، لابسين مسوح غيرنا، وألسنتنا رطّانة بغير لغة القرآن العظيم .

الخليج ليست خياراً من خيارات، بل هي قدر ومصير، هي شراكة، رسالة من العرب هاهنا إلى العرب هاهنا وهنالك . . فحواها أن العرب يولدون من جديد، كما العنقاء التي ليست بأسطورة مجردة، بل هي صياغة لتجدد الحياة .

الخليج نهوض عضوي للمجتمعات العربية بوعي جمعي يتعاون عليه المثقفون العضويون من الماء إلى الماء في زحف مقدس للحقيقة من دون خوف وللواقع الجديد من دون زيف .

إنها نحن، مشروع المستقبل .