مبروك . . ولي أمنية

صحيفة الخليج
عياش يحياوي

لا أذكر اسم اليوم الأخير من عملي في الخليج، لكني أذكر جيداً إحساسي بحالة فقدان توازن، كنت أراقب من مكتبي وجوه الزملاء كأني أراهم للمرة الأولى، كان بودي أن أعانق إعلاميين وإداريين ومسؤولين على وجه الخصوص قبل المغادرة، لكني كنت أضعف من أن أقوم بذلك . أذكر أني مسحت بنظرة عميقة صالة التحرير الكبرى ثم دفعت جسدي إلى المصعد . ولا أكتم القول إن أصواتاً ظللت أسمعها شهوراً بعد انتقالي إلى عملي الجديد، تباغتني وأنا في السيارة، في البيت، وفي ثنايا العمل، وعلى رأسها صوت الأستاذ محمد بنجك، الرجل الذي تعلمت منه الكثير، تعلمت من حرصه وغضبه وإنسانيته العالية التي يحاول إخفاءها بصرامته المعروفة وانضباطه الشديد بأدق تفاصيل العمل .

ولأن اليوم يوم فرح واعتبار في منجزات الخليج على مدى أربعين عاماً، ولأن زملاء إعلاميين سيكرمون في هذه المناسبة الكبيرة، شعرت بشيء من الحنين إلى الوجوه والمكاتب وقلق اللحظات الأخيرة في قسم الإخراج والتنفيذ، والأعصاب التي تثور فيعتقد الغريب عن المكان أن الحرب بعدها، وبعد حين تهدأ وتشرب الشاي وتبتسم وهي تستمع لأغنية تلفن عياش .

فتحية وفاء لالخليج وتقدير عال لزملائي الذين نسجت معهم بعض أطراف الحلم، وتحية للزملاء والزميلات الذين لم يحالفني الحظ للتعرف إليهم . ها أنا اليوم في موقع آخر مختلف في ملامحه وتفاصيله الإجرائية لكني أعتبر أن النجاح الذي أحظى به في عملي البحثي عرف نواته الأولى في الخليج، التي فتحت لي صفحاتها وساندني فيها مسؤولون أدرك الآن كم أسهموا في بنائي، وكم كانت كلماتهم الغاضبة حيناً، والمشجعة حيناً شديدة التأثير في تشكيل راهني الوظيفي .

ها هي الحدائق في كل مكان من الأرض، شمالها وجنوبها، شرقها وغربها، لكن المساحة الخضراء القريبة من الكافيتريا، المساحة التي رأيت فيها للمرة الأولى في حياتي طائر الهدهد، وبين ورودها جمعتنا الإدارة العامة لتناول الغداء مرات في مناسبات مهمة، تتسع في ذاكرتي مزدحمة أشجارها وعصافيرها بوجوه الزملاء وسيارات المسؤولين وكؤوس الشاي وضوضاء شاربيه، وتبادلهم لمعلومات شبه مؤكدة وأخرى تتأبط ذراع السراب .

أعود لأحيي زملائي الذين سيكرمون اليوم وأهنئهم على عبور الرحلة الإعلامية الطويلة، وإن كنت أرى أن الصحافة رحلة لا تنتهي إلا بانتهاء القدرة على استنشاق الأكسجين، فمن دخلها يظل مشغولاً بها كأن في دمه أسراب النحل، إنها تلتف حول العنق مثل طوق يراه الآخرون من حديد ويراه هو من ياسمين، لكنه ياسمين مسقي بقلق المهنة .

لي أمنية في هذه المناسبة السعيدة، أن تجمع الخليج يوماً صحافييها ومسؤوليها القدامى في حفل خاص، ما أجمل أن يتعانقوا بين أحضانها، وتتعرف أجيال التأسيس والتعب إلى أجيال النضج والتطور والانتشار . وأمنية أخرى إذا سمحتم فتح جناح متحفي ضمن مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية يحفظ صور الذين ناضلوا سنوات طويلة في خدمة الخليج وتوفاهم الله، إن في ذلك وفاء حضارياً تقرأ فيه الأجيال الجديدة عراقة المؤسسة وأسمى معاني الاعتبار .