عبدالله عمران: المجتمع الدولي يبدو متواطئاً مع ما يجري في فلسطين
ألقى الدكتور عبدالله عمران كلمة قال فيها إن المجتمع الدولي يبدو متواطئاً مع ما يجري على الأرض الفلسطينية، وأن المشهد الفلسطيني حال يحزن الأخ والصديق ويثلج صدر العدو والخصم، حيث انقلب سلم الأولويات في خضم الصراع الداخلي .
وأكد الدكتور عبدالله عمران أن الظروف قادت إلى بلبلة في المواقف العربية والفلسطينية من حيث الأهداف .
وقال لا نحتاج إلى تمحيص لنعرف أننا فقدنا مواطن القوة في مواجهتنا للعدو سياسياً وإعلامياً واقتصادياً حينما فقدنا عنصر التلاحم في ما بيننا .
وإلى نص الكلمة:
إنه ليسعدنا أن نرى هذه الصفوة الكريمة من أهل الفكر وأصحاب الرأي وذوي الاهتمام وقد تداعت إلى دار الخليج لتتواصل وتتحاور في ما يعتري أمتها من شجون، وفي ما يجيش في بلدانها من أحداث، وفي ما تتطلع إليه من آمال وما ترجوه من تقدم، فلكم منا الامتنان والشكر على حسن استجابتكم، والتقدير ممتد إلى من رغب في المشاركة لكن لم تمكنه الظروف من الالتحاق بهذه النخبة الكريمة المنعقد اجتماعها اليوم .
عقود ستة انقضت منذ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وليس في الأفق ما يوحي بأن طريق العودة ممهد أمام أهل فلسطين إلى قراهم ومدنهم، أو أن وعود الدولة في سبيلها إلى الإنجاز، أو أن المسجد الأقصى سيعود إلى حضن أهله العرب والمسلمين كما كان في أمنٍ وسلامٍ . وبقدر ما تغيب هذه الغايات عن آفاقنا القريبة، تمتلئ آفاق الفلسطينيين بالمعاناة المتواصلة، والمحارق المتنقلة بين مدنهم وقراهم . وليست المعاناة جديدة، ولا المجازر حديثة، لكنها متجددة يزيد من قسوتها ما يحيط بها من ظروف دولية متجاهلة لحقوقهم، ومن أوضاع عربية ملهية بخلافتها عن أولوياتها، ومن أحوال داخلية يسودها التشرذم والخلاف .
فالمجتمع الدولي يبدو متواطئاً على ما يجري في الأرض الفلسطينية . فهو كما لا يفرض الاحترام لقراراته على الكيان الصهيوني، فهو لا يمد بساط حمايته إلى الفلسطينيين الذين يتعرضون على مدار الساعة إلى القتل والحصار . أما المشهد العربي فمكتظة جنباته بالخلافات، ومزدحمة في أنحائه المشكلات والصعوبات، ومتكالبة عليه من خارجه كل أنواع التحديات حتى أقعدته عن التنسيق في ما بين أطرافه، وأضعفته عن التلاقي البناء والفعال بين أجزائه حتى بات عاجزاً عن تشكيل الرؤية الواحدة ناهيك عن الاستراتيجية الموحدة التي تتصدى للتحديات التي تحيط بالقضية المركزية .
وفي المشهد الفلسطيني حال يحزن الأخ والصديق، ويثلج صدر العدو والخصم، فقد انقلب سلم الأولويات في خضم الصراع الداخلي، وضاعت البوصلة التي تهدي سفينة الابحار الفلسطينية في بحر الظلمات الدولي . وأصبحت الترهات السياسية تشغل الأطراف الفلسطينية ولا تشد انتباههم ثوابتهم التي فيها منجاتهم حينما تضيق عليهم الدنيا بصعوباتها . ويتضاعف تأثير هذه العوامل الثلاثة حينما تتفاعل مع بعضها، فالضعف العربي والانقسام الفلسطيني يؤثران سلباً في الدعم الدولي، والمجتمع الدولي المنحاز يمارس الضغوط على الفلسطينيين بدل ممارستها على المغتصب .
لقد قادت هذه الظروف الى بلبلة في المواقف العربية والفلسطينية من حيث الأهداف ومن حيث الوسائل الى بلوغها . فأصبحت الأهداف تتحدد من حيث القدرة الآنية على تحقيقها . فالعجز عن تحقيق استرجاع كامل الأرض، نقل التفكير الى قيام الدولة الفلسطينية على بعض منها . ثم أصبحت الصعوبات التي تقف حائلاً دون قيامها مدعاة للانتقال الى التفكير بالدولة الثنائية القومية . وحينما يظهر ان الامكانية غير متوفرة في الأجل القصير نبدأ بالبحث عن بديل آخر .
وفي خضم التنقل بين الأهداف يغيب عن البال ان تحديدها ليس رديفاً لتحقيقها، انما انجازها يعتمد على حشد القدرات وتوظيفها . كذلك زاد من اضطراب تفكيرنا غرقنا في الثنائيات، فإما الاستسلام وإما الحرب، وكأنه ليس بين حديها كثير من الخيارات . وعندما نستقر على وسيلة الى أهدافنا نتصرف من منطلق أنها إن لم توصلنا الى مقاصدنا فليس من وسيلة اخرى تقربنا منها .
وسيكون أوجب علينا في زمن القلق الفكري الذي نعيش في غماره، وفي زمن التحولات الكبرى التي تجري في ما حولنا ان ننظر في حصاد ما ارتأيناه من خيارات، وأن نتأمل في نتائج ما اتبعناه من سياسات عموماً وعلى صعيد القضية الفلسطينية خصوصاً . فمثل ذلكم البحث العميق يمكنه أن يكشف لنا عن أوجه القصور في رؤانا وفي سياساتنا وفي أساليبنا وفي آلياتنا . وهو إن صدقنا في البحث والتأمل قد يقودنا الى تقريب الهوة المتباعدة بين القوى المختلفة على الساحة الفلسطينية والعربية التي تنشد استرجاع الحقوق والشد على الثوابت .
وقد لا نحتاج الى تمحيص لنعرف أننا قد فقدنا مواطن القوة في مواجهتنا للعدو سياسياً وعسكرياً وإعلامياً واقتصادياً حينما فقدنا عنصر التلاحم في ما بيننا . فالشقاق يسلبنا القدرة على الرؤية المشتركة، ويحرمنا من قدراتنا على العمل العربي الموحد الذي طالما كان مصدر قلق كبير للكيان الصهيوني ولخصومنا .
وقد يقول قائل كيف نحقق الوحدة حينما تختلف رؤانا حول مقاربة القضية الفلسطينية، لكن الاختلاف في الرؤية لا يعني أن تنقلب صور العلاقات بيننا حتى تنزل الى مرتبة أدنى من علاقاتنا مع الآخرين . كما أن الاختلاف على طرق الوصول الى الأهداف لا ينبغي أن يؤدي الى الاقتتال ونحن نطلب السلم مع أعدائنا .
أغتنم هذه المناسبة لأوجه الشكر الى صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله، والى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، على حرصهما الدائم على رفد اخوتنا في الأرض المحتلة بأشكال الدعم المادي المختلفة التي تقوّي شكوتهم، وعلى حرصهما على دعم الوحدة بين شتى ألوان الطيف الفلسطيني .
كما أشكر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة على جهوده المستمرة في دعم شعبنا العربي في فلسطين مادياً ومعنوياً .
وبهذه المناسبة التي تصادف أيامها ذكرى رحيل تريم عمران رفيق دربي وصديق عمري الذي كان مسكوناً بدعم القضية الفلسطينية ونُصرتها لأنه لم يكن يرى أبداً أنها أمر فلسطيني بأي معنى من المعاني، وإنما قضية العرب جميعاً لا ينبغي السماح لأحد أن يستأثر بحلها، لأن لذلك تداعيات على كامل الوطن العربي . كما كان يرى في الكيان الصهيوني صنواً للتجزئة اللذين بهما يمكن للهيمنة على منطقتنا أن تتواصل . ولطالما أكد أن الشعوب قد تيأس من الأوضاع المحيطة بها لكن هيهات أن تيأس من نفسها ومن مستقبلها .
وليس لدي أدنى ريب في أن مؤتمركم هذا بما يضم من نخبة تعلقت بالقضية الفلسطينية حباً وبحثاً وعملاً سيلقي ضوءاً كاشفاً على مواطن الخلل، وسيحدد قواسم الرأي المشتركة، بما يمكن أهل الرأي وأهل القرار في وطننا العربي من استخلاص العبر، والبناء على الأرضية المشتركة بما يحقق التكامل في الجهود، والتعاضد في مواجهة التحديات .
لا يمكن أن أختم حديثي من دون أن أذكر أخانا الراحل صلاح الدين حافظ الصحافي البارع والمفكر القدير الذي كان حريصاً على حضور مؤتمراتنا السنوية، وعلى المشاركة الفعالة فيها، كما كان مساهماً مواظباً في جريدة الخليج من خلال مقالاته العميقة في دلالاتها والثرية بآرائها . نسأل الله له الرحمة والغفران .