نهيان بن مبارك: الإمارات مركز محوري للاقتصاد العالمي

في افتتاح المؤتمر السنوي لمركز الخليج للدراسات
نهيان بن مبارك: الإمارات مركز محوري للاقتصاد العالمي

 

شهد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، بحضور محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، أمس، افتتاح فعاليات المؤتمر السنوي الثالث عشر لدار الخليج للصحافة والطباعة والنشر تحت عنوان النظام الدولي: قواعد التنافس ومحددات الصراع الذي ينظمه مركز الخليج للدراسات.أكد الشيخ نهيان بن مبارك، في كلمة الافتتاح، أن المؤتمر، يعد انعكاساً صادقاً وحقيقياً، لما تتميز به الدولة باعتبارها مركزاً محورياً، للاقتصاد العالمي، وملتقى حياً لتبادل الأفكار، كما يشكل نقطة جذب وتطلع للأفراد والجماعات كافة، على اختلاف أجناسهم وثقافاتهم، وذلك كله، في ظل قيم ومبادئ عربية أصيلة، وفي إطار رؤية مجتمعية صائبة، للتواصل مع الآخرين، والانفتاح على مختلف الثقافات، والإسهام النشط، في كافة إنجازات التطور حول العالم .ولفت إلى أن المؤتمر يأتي انطلاقاً من الحرص التام، على الإسهام الفعال في مسيرة العالم، ودعم قدرة العرب، على التعامل مع معطيات العصر، كما سيكون له دور في تسليط الضوء، على سبل بناء القدرات التنافسية، على مستوى العالم، في إطار فهم واع ومستنير، لطبيعة وأبعاء العلاقات بين الدول، في هذا العصر .

وفيما يلي نص كلمة الشيخ نهيان:

الأخ الفاضل الدكتور عبدالله عمران تريم، الإخوة والأخوات الأفاضل، المشاركون في المؤتمر السنوي الثالث عشر، لمركز الخليج للدراسات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم، ويسرني ويشرفني دائماً، أن أكون معكم، في هذا اليوم السنوي، الذي أصبح بحمد الله، معلمة ثقافية مهمة، في الدولة والمنطقة على السواء، برعاية ومثابرة الأخ والصديق، الدكتور عبدالله عمران، بل وبالعمل الجاد والمستمر، من العاملين كافة في دار الخليج .

أقول دائماً، إن انعقاد هذا المؤتمر السنوي الذي أسعد كثيراً بحضوره، والإسهام فيه، في إطار احتفائنا بالذكرى السنوية، لرحيل أخ عزيز، وابن بار من أبناء الإمارات، هو المرحوم تريم عمران، عليه رحمة الله ورضوانه - أقول: إن انعقاد المؤتمر في هذه الذكرى، إنما يجسد أسمى معاني الولاء والانتماء والعرفان، لما قدمه المرحوم تريم، من عطاء لوطنه وأمته، بل ويعبر عن تقديرنا الكبير، لما تركه لنا، من مدرسة مرموقة، في الأداء الصحفي والإعلامي، تجسد رغبته الأكيدة، في أن يرى دولة الإمارات، والأمة العربية جمعاء، وهي في المقدمة والطليعة، بين الأمم والأوطان في العالم .

وأكد الشيخ نهيان بن مبارك 10 ملاحظات في ظل مناقشة المؤتمر الجوانب المختلفة، للنظام الدولي وهي:

أولاً: أن أية محاولة جادة، لفهم النظام الدولي، تستلزم قراءة واعية للتاريخ، للتعرف إلى ما شهده هذا النظام، من دورات وتطورات، عبر العصور، خاصة أننا لانزال نعيش، مع آثار النظام الدولي، الذي كان سائداً في القرون الماضية، سواء في فلسطين، أو في دول المنطقة الأخرى، علينا أن ندرك، أن النظام الدولي، في أي عصر، إنما هو بطبيعته، تجسيد لتوازن القوى في العالم، وانعكاس لسعي الأقوياء والقادرين فيه، إلى تحديد معالمه وخصائصه، والسيطرة على مقوماته، وذلك على حساب المبادئ والقيم، في أحيان كثيرة .

ثانياً: علينا أيضاً، أن ندرك بوضوح، أن النظام الدولي بطبيعته، كائن متطور، يشهد تغييرات مستمرة ومتلاحقة، في موازين القوى العالمية، تتبدل في إطارها: قدرات اتخاذ القرار، لدى كل دولة، وكل تجمع إقليمي، وكل منظمة دولية، وكل قوة داخلية أو خارجية، من قوى الضغط السياسي والاجتماعي - هناك الآن مثلاً، دور متعاظم، لوسائل الإعلام والاتصال - هناك حركة عالمية نشطة للتجارة، والاستثمار، والتنافس حول الموارد - هناك آمال وطموحات تتجدد، لتحقيق الرخاء، في جميع دول العالم - هناك دور مهم، للجيوش والتنقيات العسكرية هناك كذلك، تركيز متنام، على عدد من القضايا والأمور، الاقتصادية والاجتماعية، مثل: التنمية المستدامة، حماية البيئة، تغيرات المناخ، بل وقضايا جودة الحياة بشكل عام .

ثالثاً: إن كل ذلك، يشير إلى أن النظام الدولي القائم، مازال يمر في مرحلة انتقالية، تتميز بنوع من الانسيابية، التي تعكس قوة كل دولة، وكل تجمع إقليمي، على حماية مصالحه، واهتماماته الاستراتيجية - إن النظام الدولي، في ظل هذا الوضع، هو الآن في مفترق طريق: إما السير قدماً، في تحقيق الخير والتقدم والمشاركة للجميع، وإما التركيز على المصالح الضيقة، لكل دولة، ولكل تجمع، وهو أمر، قد يؤدي إلى انتشار ما بدأنا نشهده الآن، من صراعات داخلية، وفتن طائفية، وأنشطة إرهابية، وتنافس بين دول الشمال ودول الجنوب، بالإضافة إلى الانشغال، بقضايا فرعية، تعوق السعي والعمل، نحو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الحقة .

رابعاً: على الرغم مما يقال، من أن النظام العالمي الآن، نظام أحادي القوة، فإن النظرة المتعمقة، ربما تظهر لنا، عدم صحة هذا القول تماماً، لأن الأمر، لم يعد معتمداً على القوة العسكرية فقط، وأن هناك، مراكز قوة اقتصادية عدة في العالم - إننا يجب أن ندرك، أن النظام الدولي القائم، يعتمد الآن في واقع الأمر، على التعايش بين قوة عسكرية ضاربة ووحيدة، وعدد من القوى الاقتصادية، التي يتنامى تأثيرها حول العالم - هذا التعايش القائم، يعيد توزيع مناطق النفوذ في العالم، ويمثل تحديات للدول الناشئة والنامية، قد تؤثر في قدراتها، على تحقيق التقدم والنمو .

خامساً: إن المرحلة الحالية، التي يمر بها النظام الدولي، تشهد تحولاً مهماً، في طبيعة الصراعات العسكرية - لقد أصبح نادراً الآن، أن نشاهد حروباً بين الدول، بل أصبحنا نشاهد حروباً وصراعات، داخل الدول نفسها: صراعات، عرقية، ودينية، وطائفية - دعوات للانفصال، وتقدير المصير - أصبحنا نسمع عن الفوضى الخلاقة، ونلمس آثارها - من الواضح تماماً، أن النظام الدولي القائم، نظام، نشأت معظم منظماته ومكوناته، في فترة سابقة، كان التركيز فيها، للحفاظ على السلام، بين الدول - هذا النظام، مايزال يحاول التأقلم، مع هذا الوضع الجديد .

كما أن قراءتنا للتاريخ، أيها الإخوة والأخوات، إنما تشير إلى حقيقة مهمة، هي أن ظهور قوى عالمية جديدة، غالباً ما يصاحبه، صراعات وحروب، مع القوى القائمة - ظروف العالم الآن، قد تغيرت - لم تعد الصراعات عسكرية، في ضوء ما هو متاح، من نرسانات الأسلحة التقليدية والنووية - سياسات المواجهة التقليدية، مصيرها إلى الاختفاء - والتحدي الذي يواجه العالم الآن، هو ترشيد الصراعات الاقتصادية والثقافية: الخفية والظاهرة، بين الدول والمناطق، وتوفير إطار واضح، لنظام دولي، يكفل مكانة مرموقة للجميع، بما يحقق لهم: الخير والرخاء والسلام .

سادساً: إن النظام الدولي القائم، ترتبط أجزاؤه ومكوناته، من خلال ظاهرة العولمة، وما تمثله، من فرص وتحديات، ولكن النظام العالمي القائم، في الوقت نفسه، يتسم أيضاً بالتفتت، وسعي كل دولة، لتحقيق مصالحها - مازال هناك، نوع من عدم التكافؤ، الاقتصادي، والعسكري، والتقني بين دول العالم - كثير من هذه الدول - تجد نفسها، في موقع تنافسي صعب - هناك حالات واضحة، تغطي فيها ثقافة القوي على الضعيف، أو تتأثر فيها الهوية الوطنية والثقافية، بطريقة غير مرغوبة، نلاحظ بالذات، أن قطاعات بعينها، داخل دول الجنوب، قد نجحت، في الإفادة من ظاهرة العولمة، بينما هناك قطاعات كثيرة، في هذه الدول، ماتزال منعزلة عنها، ولا تتأثر بها - وهذا من وجهة نظري، يمثل فجوة كبرى، يتعين الالتفات إليها، ومعالجتها بشكل حاسم . كما لابد من الإشارة، إلى دور الشركات العالمية، العابرة للحدود والأقطار، في تشكيل معالم النظام الدولي - هذه الشركات، لها دور أساسي ومهم، في تحديد حركة السلع، والخدمات، ورأس المال، والتقنيات، والخبرات، حول العالم - كما أن لها أيضاً، دوراً أساسياً، في تشكيل طبيعة البيئة الاقتصادية، في مختلف أنحاء العالم - إن ما تتمتع به هذه الشركات، من قدرات اقتصادية، وتقنية، وإبداعية هائلة، له الآن، أثر كبير، في مسيرة العالم . وينبغي علينا أن نأخذ ذلك في الحسبان .

سابعاً: إن الاقتصاد الدولي، يمر الآن، بمرحلة مهمة، بعد الأزمة المالية، في عام 2008 - لدينا الآن، في مناطق العالم المختلفة، أزمات مالية متتالية: نمو اقتصادي منخفض، معدلات مرتفعة للبطالة، أرقام مرعبة للديون، انخفاض في معدلات نمو التجارة والاستثمار - وهذا كله، يضع ظاهرة العولمة ذاتها - والتي شكلت مسيرة العالم، في ربع القرن الأخير - موضع تساؤل، كما أننا نرى الآن، أن النظام الدولي، يسير نحو منظومة، تكون فيها القوة الاقتصادية، والسيطرة على الموارد الطبيعية، دليلاً على المكانة القوية، في هذا النظام، بدلاً مما كان عليه الوضع، في فترات سابقة، حيث كانت القدرة العسكرية، أو الأفكار والمعتقدات، هي أساس القوة والهيمنة .

ثامناً: إن القدرة على التنافس الاقتصادي حول العالم، إنما تعتمد على توافر بنية أساسية قوية، تشمل نظماً مالية رشيدة، واستقراراً مالياً واقتصادياً واضحاً، ونظم تعليم جيدة، إضافة إلى وجود بيئة، تحفز إلى الابتكار، وتشجع على الإبداع، وتحث على المبادرة، والمشاركة في الأسواق العالمية . إن قراءة سريعة، للتقرير السنوي للتنافسية العالمية، يفسر لنا كيف أن دولاً صغيرة، مثل سويسرا والدنمارك، تسبق في المنافسة الآن، دولاً أخرى، أكبر حجماً، وأضخم اقتصاداً، كما أن القدرة على التنافس الاقتصادي العالمي، لا تقتصر فقط، على الأداء الاقتصادي داخل الدولة، وإنما تمتد أيضاً، إلى ما يوفره النظام الدولي، من عبور للحدود والأقطار، ومن دور مهم، كما ذكرت، للشركات العالمية - وهذا كله، يدعونا في المنطقة العربية، إذا ما أردنا بالفعل، أن نكون جزءاً مهماً، من النظام الدولي، إلى التركيز على سبل رفع قدراتنا، على المنافسة الاقتصادية، بما يمثله ذلك، من فرص وآفاق، لرفع مستوى المعيشة في المجتمع، وتوفير فرص العمل المنتج للسكان، وإثراء الحياة في دول المنطقة، بل وتأكيد دورنا المهم، في الاقتصاد الدولي .

تاسعاً: لا شك أن مستقبل هذا العالم، ومستقبل النظام الدولي فيه، هو رهن بأدوار التكتلات، والمنظمات، والتجمعات الدولة المختلفة، في هذا المجال - وهي كلها، أدوار تتطور باستمرار، في إطار سعي هذه التجمعات، إلى أن تكون قادرة على مواجهة الطبيعة المتغيرة، للنظام الدولي، وأن تؤدي دورها، في حل الصراعات والنزاعات، وتحقيق التقدم والتنمية، في العالم .

يشير ذلك، إلى ما نكرره دائماً، عن الحاجة الملحة، في المنطقة العربية، إلى تفعيل دورها، ككتلة مهمة سياسية واقتصادية في العالم، تحقق الأمن والأمان في المنطقة، تؤكد التجارة والاستثمار فيها، تشجع على التكامل الإقليمي، في سبيل تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية، في جميع دول المنطقة، وحتى نكون مشاركين حقيقيين، في مسيرة العالم .

عاشراً: لابد لنا في هذا المؤتمر أيها الإخوة، من الاهتمام بدور الإسلام، في تشكيل طبيعة النظام الدولي - بعض الكتاب المغرضين في الغرب، يرون في الإسلام، تهديداً لهذا النظام - مع أن أي شخص منصف، يستطيع أن يرى في الإسلام، منظومة متكاملة، في الحياة السليمة، والعدالة الاجتماعية والسياسية، وكيف أنه دعوة حقة للناس جميعاً، إن علينا واجباً ومسؤولية، أن ندرس، وأن ننشر، وأن نحاور، وأن نفكر، في الموقع الاستراتيجي للعالم الإسلامي، في النظام الدولي القائم . علينا أن نبحث عن الأسباب التي تجعل من منطقتنا، مواقع للحروب وعدم الاستقرار . لماذا يحرص بعض المغرضين، على تقديم الإسلام، كمصدر تهديد للنظام الدولي؟ هل لدينا - نحن المسلمين - القدرة السياسية والاقتصادية والعسكرية، لوضع وتنفيذ استراتيجية دولية مستقلة بنا؟ كيف نغير ما نراه الآن، من توجهات لدى جهات عالمية معينة، للإساءة للإسلام والمسلمين، كجزء من استراتيجياتهم في هذا العالم؟

وقال: علينا أن نأخذ أنفسنا داخلياً، بثقافة إسلامية مستنيرة، ثقافة تستوعب الزمان والمكان والحياة . ثقافة الوسطية والاعتدال، والتي يكون قوامها: العلم والعمل والسلوك القويم - ثقافة، تجمع ولا تفرق، ثقافة، قوامها المحبة، والتعاون، وأن الناس جميعاً وفي الإنسانية سواء . ولن يكون هذا أو شيء منه، إلا باستلهام حقائق الدين الإسلامي الحنيف، والذي أراده الله رحمة للعالمين .

أعبر لكم مرة ثانية، عن سروري بموضوع هذا المؤتمر، وعن سعادتي بوجودكم جميعاً هنا، مؤكداً من جديد، أنه لا يخاف النظام الدولي، سوى الضعفاء وغير الواثقين، ونحن كعرب، قادرون تماماً، على التعامل مع هذا النظام، مادمنا نتمسك بعقيدتنا ومبادئا، ومادمنا نحيط جيداً، بعناصر النظام الدولي، وبقدراتنا وإمكاناتنا أيضاً، وتطويرها على نحو دائم ومستمر، وأحييكم جميعاً، واشكر جميع الإخوة والأخوات، الذين أشرفوا وأسهموا، في إقامة هذا المؤتمر، سواء بالتنظيم، أو بإعداد البحوث، أو بالمناقشة والحوار، وأدعو الله سبحانه وتعالى، أن يحقق لهذا المؤتمر، جميع أهدافه، وأن تكون فعالياته ومناقشاته، على قدر ما نتوقعه جميعاً، بإذن الله .

 

 

تعزية لـ د . عبد الله عمران

 

أبرق المشاركون في ختام جلسات المؤتمر السنوي الثالث عشر لمركز الخليج للدراسات، إلى الدكتور عبد الله عمران رئيس مجلس إدارة دار الخليج، مقدمين تعازيهم الحارة لوفاة والدته، داعين المولى عز وجل أن يتغمدها بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جناته .

 

 

مصدر حيوي للطاقة

 

قال الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، إن المنطقة العربية كما نعلم، لها موقع مهم للغاية، في النظام الدولي، ولها دور عالمي مرموق، في توازن القوى، باعتبارها مصدراً حيوياً للطاقة في العالمية، ومعبراً أساسياً، للنقل والمواصلات فيه، بل وساحة استراتيجية مهمة، لتطورات اقتصادية واجتماعية، لها تأثيرها القوي، في ربوع العالم كافة، ودورنا في النظام الدولي، هو محل دراسة وحوار ونقاش، ليس داخل المنطقة فقط، بل في خارجها أيضاً- وما نسمعه عن صراع الحضارات، والحرب على الإرهاب، في دول الغرب، دليل على ذلك - وما نناقشه في هذا المؤتمر، هو أيضاً، دليل على حاجتنا، إلى الإحاطة الواعية، بما يدور حولنا: سواء تعلق الأمر، بالعلاقات بين الدول، بالتحالفات السياسية والعسكرية، بالتطورات الاقتصادية حول العالم، بحركات رؤوس الأموال عبر الحدود، بالنمو المتزايد في المعارف، بالتدفق المتواصل للمعلومات، بالتطورات المتلاحقة في التقنيات، بفرص تبادل الأفكار، والاحتكاك مع الآخرين هذه كلها، قضايا مهمة، نحرص عليها، ونتابعها كما تعلمون، في دولة الإمارات، في إطار سعينا الجاد، نحو تحديد مكانتنا في النظام الدولي، ونحو دحض أفكار التنافر والصراع، وتشجيع مبادرات التعايش والسلام في العالم .

 

دور مرموق

 

قال الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، لقد أدركنا منذ البداية، ومن خلال النظرة الرائدة، لمؤسس الدولة الوالد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عليه رحمة ورضوانه، وبفضل القيادة الحكيمة، لصاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وإخوانه قادة الوطن، أن نجاح التنمية الوطنية للإمارات، مرهون بوجود تفهم كامل، للظروف العالمية المحيطة بنا، مع إصرار أكيد، على أن يكون لنا دور مرموق، في تشكيل هذه الظروف، وتحديد أنماط التطور المستقبلي فيها، خاصة أن النظام الدولي الآن، يتسم بتداخل المصالح، وتشعب العلاقات، وتدويل عناصر النشاط الإنساني كافة، بل والحاجة إلى تنمية مبادئ التعاون، والتعايش، والتنسيق، في جميع أركانه - هناك علاقة متداخلة، بين ما يحدث على مستوى الوطن، وما يحدث على مستوى العالم، علينا دائماً، أن نحيط بها، وأن نتعامل معها، بعقول ذكية، وعيون مفتوحة .

 

تهنئة

 

قال الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، إنني أنتهز هذه المناسبة، كي أهنئ الفائزين كافة، بجائزة تريم عمران الصحفية، مؤكداً لهم أن جائزتهم، تحمل اسم علم نابه ومرموق، من أعلام الصحافة الوطنية والقومية، بما يرفع من سقف الأمل لدينا، في أن يستمر عطاؤهم، ليكونوا بإذن الله، في عملهم وإنجازاتهم، على قدر المسؤولية دائماً: جديرين بهذه الجائزة، وما تمثله من آمال وأهداف وطموحات، كما يسرني كذلك، أن أحيي كافة المشاركين في هذا المؤتمر، شاكراً لهم همتهم العالية، وسعيهم الجاد، بل وإدراكهم العميق، لما يمثله هذا المؤتمر، من مبادئ وأهداف، وما يوفره لنا جميعاً، من فرص للحوار والدراسة، وتشكيل رؤية رشيدة ومشتركة، حول قضايا وأمور الساعة، التي تواجه المنطقة والعالم .

* * *

المر وخالد عبدالله عمران يكرمان 4 شخصيات نالت جائزة الإنجاز الثقافي والإنساني

منح مجلس أمناء مؤسسة تريم للأعمال الثقافية والإنسانية، الجائزة التقديرية، في مجال الإنجاز الثقافي والإنساني لأربع من الشخصيات التي كان لإنجازاتها بصمة واضحة على الصعد كافة، وهم الحاج سعيد لوتاه، وتسلم الجائزة بالنيابة عنه إبراهيم محمد خير مدير الإعلام في مجموعة سعيد سلطان لوتاه . ولوتاه مؤسس بنك دبي الإسلامي في عام ،1975 بدأ حياته العملية مساعداً لوالده في تجارة اللؤلؤ في عملية اختيار حبات اللؤلؤ وإصلاحها وشرائها وبيعها، وأسس منطقة بور سعيد، مخلداً انتصارات حرب بور سعيد في عام ،1956 ومنطقة بدر مخلداً ذكرى غزوة بدر الكبرى، ومدينة لوتاه حباً وتخليداً لاسم أسرته ولقب عشيرته، كما أسس أول جمعية تعاونية استهلاكية في منطقة الإمارات ودول الخليج باسم جمعية دبي التعاونية، في عام ،1972 وأسس أول شركة للتأمين الإسلامي باسم الشركة العربية الإسلامية للتأمين (إياك)، في عام ،1979 كما أسس أول مدرسة إسلامية رائدة في العالم العربي والإسلامي باسم المدرسة الإسلامية للتربية والتعليم بمراحلها الثلاث .

كما أسس أول كلية طبية في الإمارات ودول الخليج العربي باسم كلية دبي الطبية للبنات تقديراً لمكانة المرأة وقدرتها على العمل، في عام ،1986 حاز العديد من الجوائز التقديرية والأوسمة والدروع . حصل على لقب رجل الاقتصاد الأول في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1999 .

ومريم الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية، بكالوريوس في الآداب/أدب إنجليزي من جامعة الإمارات العربية المتحدة عام ،1980 وعينت وزيرة للشؤون الاجتماعية في دولة الإمارات العربية المتحدة في فبراير 2006 لما تمتلكه من خبرة عملية واسعة في مجال الإدارة والشؤون المجتمعية اكتسبتها من خلال دراستها الأكاديمية والأعمال والعديد من المناصب، كما شغلت منصب وكيلة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية - قطاع الشؤون الاجتماعية من فبراير 1999- يناير ،2006 كما شغلت منصب رئيسة مؤسسة صندوق الزواج من مارس 2006 لغاية مارس ،2008 وعضو مجلس إدارة الاتحاد النسائي العام 1984 - ،1986 عضوة مؤسسة لاتحاد رياضة المعاقين، رئيسة الأولمبياد الخاص بالدولة ،1987 عضو مجلس إدارة اتحاد الإمارات لرياضة المعاقين 1999 - 2000 .

ومنى المري المديرة العامة للمكتب الإعلامي في حكومة دبي، تخرجت من كلية التقنيات العليا - تخصص إدارة الأعمال، ونالت العديد من الجوائز، منها جائزة الإسهام المتميز في التواصل الاجتماعي، من برنامج إنجازات المرأة في منطقة الشرق الأوسط، وجائزة أفضل موظفة حكومية، ضمن برنامج الأداء الحكومي المتميز في دبي، وتشغل منصب المديرة العامة للمكتب الإعلامي لحكومة دبي، وتولت في عام 1999 تأسيس نادي دبي للصحافة، وأطلقت من خلاله جائزة الصحافة العربية، التي تشغل حالياً منصب أمينتها العامة، ومنتدى الإعلام العربي، الذي تتولى رئاسته . ويعود لها الفضل في تأسيس اتحاد نوادي الصحافة العالمية، وتم ترشيحها لمنصب أمين عام الاتحاد تقديراً لإسهاماتها، وتشغل منصب رئيسة مجلس إدارة مؤسسة دبي للمرأة، وعضو مجلس إدارة مؤسسة دبي للإعلام .

وصالحة غابش المديرة العامة للمكتب الثقافي والإعلامي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، ليسانس آداب، الدراسات الإسلامية واللغة العربية، جامعة الإمارات، تمهيدي ماجستير، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة ،1999 تشغل منصب المديرة العامة للمكتب الثقافي والإعلامي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة، المستشارة الثقافية للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة . مديرة تحرير مجلة مرامي الاجتماعية الأسرية المنوعة، الصادرة عن المجلس . رئيسة تحرير مجلة صديقات الموجهة إلى الفتيات في سن المراهقة، تكتب الشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرح والمقال والإعداد التلفزيوني، ونالت وسام سمو الشيخة جواهر للعمل المتميز . جائزة الموظف المتميز من حكومة الشارقة . جائزة الشعر من مركز دراسات المرأة العربية، وجائزة المساهمات الاجتماعية من جائزة سيدات الإمارات .

وقد تم تكريمهم تقديراً لمساهمتهم المتميزة والإبداعية وعطائهم الدائم في مجال البحث الفكري، ودورهم الملموس في تعزيز القضايا الوطنية والمجتمعية .

* * *

تكريم الفائزين في جائزة تريم عمران الصحفية

كرم محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وخالد عبدالله عمران أمين عام مجلس أمناء مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية، خلال فعاليات المؤتمر السنوي الثالث عشر لمركز الخليج للدراسات في دار الخليج، الفائزين في جائزة تريم عمران الصحفية والمكرمين الحاصلين على الجوائز التقديرية، عن دورتها العشرة لعام 2012- 2013 .

وشمل التكريم الزميل أحمد هاشم عاشور من صحيفة الإمارات اليوم، حيث فاز في مجال التحقيق الصحفي، وفاز الزميل محمد عبدالحليم من صحيفة الرؤية عن فئة الحوار الصحفي، والزميل ماجد عبدالله بوشليبي من صحيفة الخليج، عن فئة العمود الصحفي، وياسر حارب من صحيفة البيان عن فئة المقال الصحفي، ووليد قدورة من صحيفة البيان عن فئة التصوير الصحافي . وتولت لجنة تحكيم الجائزة المؤلفة من الدكتورة عائشة النعيمي، وعائشة سلطان والدكتور محمد عايش، فحص الأعمال المقدمة بناءً على المعايير المقررة سلفاً في تحكيم الأعمال المقدمة للجائزة، وقامت اللجنة باختيار مرشحين من الفائزين عن كل فئة من فئاتها .

* * *

تكريم 6 مؤسسات بجائزة الإنجاز الثقافي والإنسانيكرم محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وخالد عبدالله عمران أمين عام مجلس أمناء مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والانسانية 6 مؤسسات فازت بجائزة الإنجاز الثقافي والإنساني، وشملت قائمة المؤسسات التي تم تكريمها جمعية الناشرين الإماراتيين، وتسلمتها الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي رئيسة مجلس الإدارة، - وهي جمعية ذات نفع عام، تأسست في 18 ديسمبر ،2008 تم إشهارها بقرار وزارة الشؤون الاجتماعية رقم (88) لسنة ،2009 ومقرها في إمارة الشارقة، تعمل في مجال في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومهامها ونشاطاتها العمل على تطوير صناعة النشر في الدولة، وتمثيل الناشرين الإماراتيين في مختلف المحافل ومعارض الكتب الدولية، وتشجيع نشر وتوزيع الأعمال المحلية في الخارج، وتقوم الجمعية بتنظيم دورات تدريبية لأعضائها .

وتسلم جائزة مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أمل عبدالله الهدابي المديرة التنفيذية للمركز الذي تأسس في 14 مارس/آذار 1994 بموجب قرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، حينما كان سموه يشغل منصب ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة . ووفقاً لتوجيهات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أصبح المركز مؤسسة مستقلة متخصصة في البحوث العلمية والدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ذات الأهمية بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة ومنطقة الخليج والعالم بأسره .

وتسلم جائزة ندوة الثقافة والعلوم سلطان صقر السويدي رئيس مجلس الإدارة، وهي مؤسسة ثقافية علمية تأسست في عام ،1987 تعنى بأمور الثقافة من خلال المشاركة في فعاليات وأنشطة ثقافية وعلمية متعددة، إبرازاً لوجه الدولة الحضاري، واستشرافاً لروح التراث وآفاق المستقبل في آن واحد، وذلك بهدف تعزيز مسيرة الثقافة والعلم في دولة الإمارات، أسسها سلطان بن علي العويس، وعمران بن سالم العويس، ومحمد خليفة بن حاضر، ومحمد أحمد المر، وخالد محمد أحمد، وعبد الغفار حسين، والدكتور أحمد أمين المدني، ومحمد عبيد البدور، وسيف المري، وعبد العزيز خليل المطوع، وإبراهيم محمد بوملحة، وسالم أحمد الموسى، وبلال ربيع البدور .

فيما تسلم جائزة جمعية الفجيرة الخيرية، محمد علي الملا نائب رئيس مجلس الإدارة، ويرأس مجلس إدارة الجمعية سعيد الرقباني، وتأسست عام ،1987 وتم إشهارها بقرار وزارة العمل والشؤون الاجتماعية رقم (57)، لتقديم العون والمساعدة للأسر المحتاجة والطلبة وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى وكفالة الأيتام وإيصال الزكاة والصدقات والتبرعات إلى مستحقيها، وبدأت عام 2004 بتقديم برامج خيرية تنموية متنوعة هدفها خدمة الفرد والأسرة المواطنة، وتقدم الجمعية مساعدات متنوعة للطلبة من أبناء الأسر المواطنة المسجلين في الجمعية، كما تنفذ مشروع حفظ النعمة الذي بدأ في عام ،2004 ويهدف إلى جمع الطعام الزائد في الأعراس والمناسبات وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين .

كما تسلم جائزة مجلة زهرة الخليج، د . طلال طعمة رئيس التحرير، وتأسست مجلة زهرة الخليج عام ،1978 وصدر العدد الأول منها في 31 مارس ،1978 كإحدى المطبوعات الصادرة عن دار الاتحاد للصحافة والنشر في أبوظبي التي كانت ملحقة بوزارة الإعلام . وكانت تتولى رئاسة تحريرها عبلة النويس، وفي عام 2008 تأسست شركة أبوظبي للإعلام وألحقت بالمجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي وانتقلت إليها جميع مكونات مؤسسة الإمارات للإعلام ومنها مجلة زهرة الخليج، وفي عام ،2009 خضعت زهرة الخليج لعملية تطوير كبرى ثانية، شكلاً ومضموناً، رسخت انتشارها المحلي والعربي وريادتها بين المجلات الأسبوعية الاجتماعية .

فيما تسلم صالح بوعلي نائب مدير عام دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر، بالنيابة عن أميرة عبدالله عمران رئيسة تحرير مجلة كل الأسرة جائزة المجلة التقديرية، صدر العدد الأول من مجلة كل الأسرة في أكتوبر ،1993 مجلة اجتماعية أسرية شاملة، أكدت المجلة منذ عددها الأول رسالتها التي عبر عنها مؤسسها المغفور له بإذن الله تعالى تريم عمران، في أن تكون المجلة تعبيراً صادقاً عن الأسرة الإماراتية والخليجية والعربية، وتتلمس المشكلات التي تواجه الأسرة وتفتح النقاش الجاد بحثاً عن الحلول، ونجح محتواها المختلف في أن يعقد رابطة وثيقة مع القارئ عبر سنوات المجلة، بعد أن لمس فيها منبراً صادقاً يتعامل معه ومع أسرته، ليس كوعاء استهلاكي، وإنما جزء من أسرة هي بدورها الخلية الأولى للمجتمع .

كما حرصت المجلة على أن تكون مواكبة لكل ما يستجد في عالم الصحافة والطباعة من حيث الشكل والمضمون، الأمر الذي جعل من المجلة تجربة فريدة ناجحة تواصل الرسالة الرائدة التي تنتهجها دار الخليج للصحافة منذ أن أسسها تريم وعبدالله عمران .

جمعية الناشرين تمنح دار الخليج عضوية فخرية

منحت جمعية الناشرين الإماراتيين، دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر العضوية الفخرية الأولى للجمعية، قدمتها الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي رئيسة مجلس إدارة الجمعية، إلى خالد عبدالله عمران نائب رئيس تحرير الخليج المدير العام لدار الخليج، بحضور محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، خلال تكريم المؤسسات الثقافية الفائزة بجائزة الإنجاز الثقافي والإنساني .

 

* * *

الجلسة الأولى

ميزان القوى الدولية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً

جميل مطر: هناك دلائل على تراجع أمريكا وانحسار فاعليتها

تغطية: أحمد غنام

تناولت الجلسة الأولى لمؤتمر الخليج السنوي الثالث عشر، التي أدارها محمد الشعالي بعنوان ميزان القوى الدولية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً بمشاركة الباحث جميل مطر كمتحدث رئيس في الجلسة، الحديث عن ميزان القوى في العلاقات الدولية، وبدء ظهور مؤشرات عن وجود انحدار في دور الولايات المتحدة الأمريكية في تلك العلاقات، وانحسار فاعليتها لمصلحة بروز قوى صاعدة كالصين والهند .

وأكد محمد الشعالي في مستهل كلمته الافتتاحية للجلسة الأولى، أهمية المؤتمر وعنوانه قواعد التنافس ومحددات الصراع، وأنه يأتي في ظل تغييرات في المنطقة العربية تلقي بظلالها على مختلف الأصعدة ولابد من الوقوف على تلك التغييرات وتناولها بالشرح والتحليل، وأن العالم العربي أصبح مرتعاً للنظام الدولي في الكثير ممارسته، ولصراع الأقطاب حوله .

وقال الباحث جميل مطر في الورقة التي تقدم بها: أود أن أبدأ بملاحظة حول ما قاله الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مؤتمر صحفي قصير عقد مؤخراً في البيت الأبيض حيث قال يبدو أنني يجب أن أعود إلى بيتي وأحزم حقائبي، جاء ذلك بسبب ما يتعرض له من ضغوط في الكونغرس، وكدلالة على بداية ضعف .

وأوضح الباحث أننا نعيش مرحلة من أهم المراحل الانتقالية في تطور النظام الدولي وكذلك في تطور النظام الإقليمي العربي، مرحلة تثير تفاصيلها أحاسيس كثيرة متناقضة، وتجعلنا نتأمل بتمعن في أدوارنا للتأثير في هذه المسيرة العالمية، وفي انعكاساتها على مستقبل الإنسانية بصفة عامة وأمتنا بصفة خاصة .

وأضاف: تعكس هذه الورقة اجتهاداً شخصياً لمراقب يتابع هذه المرحلة الانتقالية منذ سنوات النهاية للحرب الباردة، لا أعتبرها حكماً نهائياً من جانبي على المرحلة، ولا أظن أن هناك حكماً نهائياً وقاطعاً متخذاً فعلاً في أي مكان وبأي قلم، فالأحداث مازالت تتسابق، والعديد من القوى الدولية والإقليمية تسرع الخطى لتثبيت أقدامها في موقع متقدم من ساحات القوة والنفوذ، قبل أن تصل إليه غيرها . وأغلب ظني أننا كعرب، كما كنا ضحايا سباق على الهيمنة والقيادة وكما كانت أراضينا وأجواؤنا وبحارنا مسارح لهذا السباق، عندما جرى احتلال العراق، وعندما جرى احتلال أفغانستان، وأحداث أخرى كثيرة، بهدف تعديل معادلات توازن القوة في النظام الدولي والنظام العربي، وإنهاءً لوضع تجاوز مدة صلاحيته وإعداداً لوضع يدفع دفعاً للبزوغ، فإننا يجب أن نتوقع المزيد من الضحايا والخسائر المادية والبشرية في إقليمنا وأقاليم الجوار والمزيد من التغيرات الجوهرية، قبل أن تنجلي الصورة النهائية في شكل توازن جديد للقوى الدولية .

وبين أن هناك قواعد مهمة في العلاقات الدولية، تتجلى في أن النظام الدولي كأي كائن حي، ولا بد لهذا الكائن أن يتطور حتى يتستطيع البقاء، والقاعدة الثانية أن الشيء القديم سواء كان فكرة أو معتقداً، فهو عنيد في عملية التغير في مقابل الأفكار الجديدة التي عادة ما تكون خجولة، واذا ما استمر الصراع بين القديم والجديد، فحتما سيكون هناك صراع، والقاعدة التالية تدور حول أنه لا يمكن التغيير من قديم إلى جديد إلا من خلال مرحلة انتقالية، ويكثر في المرحلة الانتقالية اللاعبون الدوليون في محاولة للوصول إلى القيادة الدولية، ما يؤدي إلى ظهور أشياء لم تكن موجودة في النظم القديمة كالمنظمات ذات الصبغة العالمية، ما يؤدي إلى مزيد من الصخب على الساحة الدولية، ويعلو صوت الحراك وحركة الأقطاب .

وبين أنه في المرحلة الانتقالية التي شهدها العالم مؤخرًا برز تطوران رئيسيان، التطور الأول هو أن أمريكا في مرحلة انحدار، ما أدى إلى بروز لاعبين دوليين، والتطور الثاني هو أن أمريكا تتجه للخروج من وسط الحضارة الأوروبية، وتتجه إلى آسيا بالرغم على بقائها منغرسة في الحضارة الأوروبية لأكثر من 400 سنة، مستعرضاً التيارات التي ولدتها فكرة انحدار أمريكا، حيث ذهب تيار في أمريكا إلى القول إنه لا غنى للعالم عن أمريكا كقطب مسيطر ونافذ في العلاقات الدولية ومنظري هذا التيار، مثل مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق، وتيار آخر يقول إن أمريكا مثل أي دولة تتقهقر إلى الوراء، وأن السياسة صنعت خرافة أن أمريكا لا يمكن لها التراجع والانحسار، ويعتبر زيبنيو برجنسكي منظراً لهذا التيار .

وأضاف الباحث هناك شواهد عدة في العلاقات الدولية تثبت أن أمريكا وإن حققت انتصارات في بعض المحافل والمواقف الدولية، إلا أنها لم تستطيع أن تسجل أي نصر في ملفاتها مع كوريا الشمالية، فضلاً عن هزيمتها في حربها مع فيتنام وغيرها من الشواهد، إضافة إلى فشلها الذريع في حربها على أفغانستان، حيث تحاول أمريكا اليوم، بعد مرور 13 عاماً على حربها على أفغانستان أن تفتح مفاوضات مع حركة طالبان، والأهم من ذلك ما اعتبره الباحث فضيحة أمريكا في العراق، وما ترتب عليها من ديون أخذت تحاسب نفسها عليها، نتيجة للحرب على العراق، ونتج عن هذه المفارقات سؤال في الأوساط الأمريكية حول أحقية أمريكا في تولي قضايا العالم بوصفها اللاعب القوي في الساحة الدولية .

وقال: بالعودة إلى تصريح أوباما الذي ابتدأت به حديثي، يمكن اعتبار ذلك دليل ضعف مطلق لأوباما، وتنكراً لكل التزاماته في ما يتعلق بعملية السلام والوعود التي أطلقها خلال خطابه الشهير في جامعة القاهرة، ويحق لنا السؤال هنا: هل أوباما ضعيف أم أن أمريكا بدأت في الانحدار؟ .

وحول المرحلة الانتقالية تتبع مطر مراحل بدايتها حيث قال: بدأت المرحلة الانتقالية حينما سقطت برلين وجدارها، معلنة بذلك سقوط الأيدولوجية الشيوعية وتحول ألمانيا إلى الرأسمالية، أما المرحلة الثانية، فيمكن القول إنها بدأت بعد حرب الكويت، حينما أعلن بوش أنه سجل انتصاراً للعالم بأسره حينما حرر الكويت، أما المرحلة الثالثة فقد بدأت حينما أصدر الكونغرس عام 1978 قانون الاذن للكومبيوتر بتبادل المعلومات .

وأوضح أن للإنترنت منذ دخوله حيز الخدمة واجتياحه العالم ساعد على الحد من سيادة الدول، وهو مبدأ كان يعتد به منذ أكثر من 400 عام في العلاقات الدولية وتحدد بناء عليه العلاقات بين الدول، حيث عمل الإنترنت على اختراق سيادة الدول من دون علمها وإذنها، وأصبح بذلك لاعباً دولياً وأكبر دليل على ذلك الصراع بين الصين وأمريكا ومحاولة الجهتين اختراق بعضهما من خلال الشبكة العنكبوتية، فضلاً عن الإنترنت أصبح يشكل ثقافة ولغة مؤثرة في أوساط كثيرة من شعوب العالم، إضافة إلى وجود هيئات ومنظمات عالمية أصبحت تباشر أعمالها من خلال الإنترنت من دون الحاجة إلى إذن الدول .

علامات المرحلة الانتقالية

وحول العلامات والأدلة التي ساقها الباحث عن مقولة انحدار أمريكا، وبروز قوى أخرى، قال الباحث جميل مطر إنه يمكن القول أن نظرية القطبية الواحدة المسيطرة على العلاقات الدولية قد اختفت، أو تكاد تتلاشى، وهو ما تعترف به أمريكا، فضلاً عن أن الصين أخذت التوسع حتى وصلت إلى أوروبا، ونسجت علاقات قوية باعتبارها قوة مؤثرة في العلاقات الدولية بدون أي صراع، وهو ما فعلته الهند أيضاً بمعنى أنه يمكن القول أن الصين والهند يعتبران قوة صاعدة في العالم، ويشكلان أكبر كتلة بشرية في العالم، لافتاً إلى أنه بالرغم من التغييرات الحاصلة في الساحة الدولية إلا أن ذلك لم يؤثر في إسرائيل، وأنها حالياً أقوى من أي وقت مضى .

والمؤشر الآخر على المرحلة الانتقالية، وتراجع أمريكا، هو أن العالم كله يمر بأزمة اقتصادية واجتماعية عصفت بأمريكا أول ما عصفت، ولا تتأثر قوى ودول مثل الصين بتلك الأزمة ما يعني فقدان أمريكا السيطرة، وميلها إلى آسيا على حساب أوروبا، واستغلالها لمفاهيم القيم العالمية، ما هو إلا دليل على ذلك، وتساءل الباحث: هل نحن نعيش أيام القرن الصيني على غرار القرن العشرين الذي تسيدت فيه أمريكا .

مناقشة عامة

بعد أن قدم الباحث والكاتب جميل مطر ورقته خلال الجلسة، فتح نقاش عام شارك فيه كل من محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، والدكتور عبدالرزاق فارس المستشار في مجلس دبي الاقتصادي، والدكتور يوسف الحسن كاتب إماراتي، والدكتور عبد الخالق عبدالله أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات سابقاً، ود . علي فخرو وزير التربية والتعليم في البحرين سابقاً، والدكتور جاسم المناعي مدير صندوق النقد العربي، والدكتورة رفيعة غباش رئيس جامعة الخليج سابقاً، ود . علي جاسم عضو المجلس الوطني الاتحادي، ود . سعيد حارب كاتب إماراتي .

وقال محمد المر في مداخلته إن النظام الصيني يقوم في أساسه على فكر غربي، وهو نظام الماركسية اللينينية، وهي فكرة غربية طورها مفكرون غربيون، فضلاً عن أن هناك خليطاً للفكر الغربي في الفكر الصيني، وبالتالي فإن النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تبنته الصين هو وليد للفكر الغربي، مضيفاً: لا أظن أن هناك مواجهة بين الصين كفكر والغرب .

وأوضح أن الثقافة الغربية لها جذور ضاربة في الأفكار حول الحريات العامة والفصل بين السلطات وحرية الفكر واستقلالية القضاء، لافتاً إلى دراسة اقتصادية تقول إن الصين والهند إذا ما أرادتا أن ترفعا مداخيلهما إلى ما هو موجود في أمريكا والغرب، فهما بحاجة إلى سبعة أضعاف حجم الكرة الأرضية حتى تفي بذلك، نظراً لمحدودية الموارد في الكرة الأرضية حتى تمكنها من رفع مستوى معيشتها ومداخيلها .

وحول الفكرة التي تقدم بها الباحث جميل مطر التي تقول بانحدار أمريكا وبروز قوى صاعدة قال المر إن انحدار أمريكا يمكن النظر إليه من جانب آخر له مبررات ومسوغات اقتصادية وفكرية، وختم بالقول إن ما يسمى بمجموعة دول بركس لن تستطيع أن تنافس أمريكا بالمستوى المعيشي والاقتصادي والاجتماعي لخمسين سنة مقبلة .

وفي رده على مداخلة محمد المر قال الباحث جميل مطر، إن الصين نعم لديها أفكار من الغرب، لكن براعة الصين تكمن في إيجاد خليط من الأفكار، مستشهداً بمواتسي تونغ حينما أخذ الماركسية اللينينية من الغرب وجد أنها لا تتناسب مع المجتمع الصيني، ما اضطره إلى إدخال عناصر من الفكر الكنفوشيوسي الصيني إلى الماركسية، ونتج عن ذلك فكر صيني منتج قادر على الإبداع، فضلاً عن أنه لا يمكن النظر لموضوع مستوى المعيشة بمنظور غربي فقط بعيداً عن المنظور الصيني، ويجب ألا ننسى الصين وحدها لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية .

من جهته قال الدكتور عبد الرزاق الفارس في مداخلته إن الحديث عن القرن الصيني مبالغ فيه، بالرغم من أن الصين قد تستطيع خلال ال20 سنة القادمة أن تصبح قوة اقتصادية ضاربة، معتبراً أن اللغة الصينية قد تقف على حاجز أمام الصين في الانتشار للعالم، نظراً لسيطرة اللغات اللغات العالمية على المشهد العالمي، ورد جميل مطر على هذه النقطة بالقول أعتقد أن الصين تراجع تراثها التاريخي بشكل مستمر، وهي لا تنسى أنها أول أسطول بحري وصل إلى شواطئ إفريقيا مستخدمة لغتها في هذه الرحلة، وبالتالي يجب أن ننتظر ما يجهزه الصينيون ليتجاوزا حاجز اللغة .

أما الدكتور عبد الخالق عبد الله، فقد ركز في مداخلته على مقولة انحدار أمريكا، مبيناً أن أمريكا منذ تأسيسها تواجه مثل هذه المقولة، إلا أنها في كل تحد تبهر العالم بسرعة تعافيها وتعاطيها مع المستجدات، لذلك قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن انحدار وانحسار لأمريكا، وأضاف: أن أمريكا لوحدها لا يمكن لها أن تقود العالم، لكن في مقابل ذلك لا يمكن لكل الدول أن تقود العالم بدون أمريكا، ورداً على ذلك قال جميل مطر إن هناك شواهد تدلل على تراجع أمريكا من الناحية الاقتصادية بشكل نسبي بالمقارنة مع القوى الصاعدة .

وقال د . علي فخرو في مداخلته إن هناك دوراً للمجتمع المدني في مواجهة العولمة في المرحلة الانتقالية، وهناك بوادر لوعي عالمي في مسألة القيم والمعتقدات، وبالرغم من قدرة الصين على تبني هذه المنظومة ذات الجذور الغربية، إلا أنه من الوارد أن يحدث صراع بين الغرب والصين .

أما الدكتور جاسم المناعي فقد علق على موضوع التغيير في موازين القوى في المنطاق التي لا ترتبط بعلاقات جيدة مع أمريكا، لافتاً إلى أن أكثر الجوائز العالمية مثل جائزة نوبل يحصل عليها أمريكان، ما يشكك في مقولة انحدار أمريكا، فضلاً عن أن الصين نفسها تتبنى سياسة الاقتصاد الحر، مايدل على تأثرها بالنهج الأمريكي في الاقتصاد، وبالتالي لا يمكن الأخذ بمقولة انحدار أمريكا .

ورد جميل مطر على ذلك بالقول إن الأوراق الرئيسة التي ارتكزت فيه بإعداد ورقتي البحثية مأخوذة من كتاب الاتجاهات العالمية خلال العام 2030 والصادر في أمريكا، ويتفق مع ما أقوله، والمرتكز الثاني كان نشرة صادرة عن الصين تعرض بالورقة البيضاء الصينية ، تدلل على صعود الصين، وانحدار أمريكا . وفق معطيات الفكر والتاريخ والكثير من الاعتبارات .

أما الدكتورة رفيعة غباش، فقد طرحت على جميل مطر سؤالاً يدور حول قدرة أمريكا أن تعزل مجتمعها الداخلي عن سياستها الخارجية وتأثيراتها، ورد مطر بالقول إن هذا بسبب انفتاح المجتمع الأمريكي وشعوره بأن السياسة الخارجية لخدمته على عكس الصين التي يتسم مجتمعها بالانغلاق على نفسه .

من جهته تقدم علي جاسم بمداخلة مفادها أنه يوجد تناقض في قارة آسيا بين الجنوب والشرق، بالرغم من احتضانها قوة عظمى كالصين، ما يدل على محدودية تأثير الصين في محيطها، بالتالي لا يمكن أن تعتبر بديلاً مستقبلياً للنظام الدولي القائم حالياً، مضيفاً: أعتقد أن النمط الأوروبي والأمريكي هو النمط الدارج كثقافة مؤثرة عابرة للقارات على حساب النمط الصيني أو المنتجات الصينية، ولا أعتقد أن المجتمع العالمي يمكن أن يتقبل غير النمط الأوروبي .

وكانت المداخلة الأخيرة للدكتور سعيد بن حارب، قال فيها: أتفق مع جميل مطر فيما قدمه، وأضيف أن الإنسان أصبح إنساناً كونياً بموجب التقنية الحديثة التي يشهدها الاتصال، وما يترتب على ذلك من تأثر المجتمعات ببعضا بعضاً وطرح في ختام مداخلته سؤالاً مفاده: ما الملامح غير الاقتصادية لصعود الصين وشرق آسيا؟ وبدوره رد جميل مطر على المداخلتين الأخيرتين بالقول إن الصين تواجه عدة صعوبات أولها أن مجتمعها مغلق، وهي لا تستطيع أن تعيش إلا مستقرة، وبرضاء الدول المحيطة بها، ومشكلة الصين حالياً كيف تحصل على رضا هذه الدول، وبالمقابل تشرعه أمريكا بناء علاقات متميزة مع مجموعة دول الأسيان المحيطة بالصين، لضمان عدم تمددها إلى الدول المحيطة بها .

* * *

الجلسة الثانية

خريطة التنافس الاقتصادي العالمي

الكشوف الجغرافية أسهمت في توسيع رقعة الأسواق وعولمة السلع

في الجلسة الثانية التي ترأستها الدكتورة فاطمة الشامسي، أستاذة الاقتصاد في جامعة الإمارات، استعرض الباحث الدكتور عبد الرزاق الفارس، مستشار اقتصادي في مجلس دبي الاقتصادي، ورقة عمل حملت عنوان التنافس الاقتصادي العالمي من الثورة الصناعية إلى ثورة المعرفة، حيث تناول نبذة تاريخية حول تطور النظام الاقتصادي الدولي، الذي هو نتاج عملية تحول وتطور امتدت لقرون وتقلبت بين موجات من العنف والحروب، والسلام والتعاون، وتراوحت بين الفرض والقهر والمفاوضات وحلول الوسط، وبين التفكك والتشرذم والتكامل والتعاون، والتنافس المدعوم بالقوة العسكرية .

تغطية: يمامة بدوان

أشار الفارس إلى أنه خلال القرون الأربعة أو الخمسة الماضية، ارتبطت التنافسية الاقتصادية بمفهوم الدول الوطنية أو القومية، إلا أن هذه الدول تعرضت من خلال العنف (الحروب) أو الاختيار السلمي، لتعديلات جذرية على حدودها الجغرافية والسياسية، الأمر الذي سبب لجوء العديد من الدراسات التي حاولت إلقاء الضوء على التنافس الاقتصادي الدولي إلى التركيز على القارات أو المناطق الجغرافية بدلاً من الدول، مثل الحديث عن إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا، إلا أن هذا المنهج لا يقضي على كل المشكلات، خصوصاً في حالة القارات المرتبطة جغرافياً أو عرقياً أو عقائدياً، أو التي لا يوجد بينها فواصل عميقة وكبيرة .

وأضاف أن تاريخ الاقتصاد الحديث مر بثلاث مراحل رئيسة، أولها الكشوف الجغرافية والتنافس الاستعماري، الذي خلق ظاهرة جديدة من العولمة، وأصبح هناك تركيز شديد على التجارة الدولية وتبادل السلع، حيث إن الكشوف الجغرافية بدأت مع أهم اكتشافين جغرافيين، وهما الأمريكتان، ورأس الرجاء الصالح، الأمر الذي تسبب في زيادة حركة التجارة الدولية بشكل ملحوظ، من خلال النقل البحري بالسفن عابرة المحيطات، وبروز أوروبا كقارة، كذلك إلغاء أهمية الجانب البشري، حيث أن الإمبراطوريات القديمة قد اعتمدت على العدد أو الحجم السكاني، لتحقيق تفوقها وتمددها وقدرتها على السيطرة على الأقاليم الأخرى، إلا أن الإمبراطوريات الحديثة وفى مقدمتها الإمبراطوريتان البرتغالية والأسبانية، قد تجاوزت هذه العقدة، عبر تطوير أنظمتها الملاحية، والتركيز على إخضاع الموانئ والمراكز المهمة، والابتعاد عن التوغل في العمق الجغرافي، الذي يتطلب أعداداً كبيرة من المحاربين .

وذكر أنه وفي العقد الأخير من القرن السادس عشر، شهد بروز هولندا باعتبارها اللاعب الرئيس في المشهد الاقتصادي الدولي، حيث تمكنت خلال عقود قليلة من إبعاد كل من البرتغال وإسبانيا والبقاء في موقع مهيمن حتى القرن الثامن عشر، وبدأ نفوذها بالاضمحلال ببروز بريطانيا، إلا أنه وعلى العكس من البرتغال، فإن أسس قيام هولندا كانت اقتصادية بشكل أساسي، حيث كان اقتصادها يعتبر الأكثر إنتاجية وكفاءة في أوروبا، واعتمدت في قطاعها الزراعي على المنتجات ذات القيمة المضافة المرتفعة مثل الألبان والأجبان، لذا كان بإمكانها توجيه عدد أكبر من قواها العاملة بعيداً عن القطاع الزراعي وباتجاه قطاعي الصناعة والخدمات، كما أنها خصخصت الاستعمار، عبر إنشاء الشركة الهولندية الشرقية، التي أوكلت لها كافة شؤون التجارة .

ووصف الدكتور الفارس أن المنافسة الاقتصادية الدولية في تلك المرحلة، لم تكن قائمة على المزايا النسبية للدول أو لمنتجاتها، إنما على قدرة هذه الدول على الاستغلال والاحتكار وفرض السيطرة والعبودية واستغلال المزارعين ومنتجي المواد الأولية، وتقليل التكاليف العسكرية المرتبطة بالتوسعات الاستعمارية من خلال التحديثات المالية، وفرض مزيد من الأعباء على المناطق المستعمرة .

وتطرق إلى المحطة الثانية المتمثلة بالثورة الصناعية، التي أحدثت تطوراً مهماً في جانبين، الأول هو الوصول إلى العالم بشكل أسرع وأكثر كفاءة، كذلك اتساع نطاق تبادل المنتجات الصناعية في الأسواق وانخفاض الأسعار، حيث لم يعد الاحتكار هو الوسيلة الرئيسة للتنافس كما هو الحال في المرحلة الأولى، وأصبح تحرير التجارة هو الطريق الرئيس للمحطة الثانية، إذ شهد العالم أول موجة عولمة ثم توقفت مع بداية الحرب العالمية الأولى .

أما المحطة الثالثة فقال إنها تمثلت في ثورة المعرفة والتكنولوجيا، التي أحدثت تغيراً في مفهوم التعامل مع موارد الندرة، كما أصبح الإنسان المحور الأساسي، مع وجود معايير لاحترام حقوق الإنسان، والاهتمام بموضوع الهجرة .

وخلص الباحث الفارس في ورقة عمله، إلى أنه خلال القرون الخمسة الماضية، شهد التنافس الاقتصادي الدولي تحولات جذرية في طبيعته وفي قواعد اللعب وأسس التسابق ومعايير النجاح، حيث أسهمت الكشوف الجغرافية في توسيع رقعة الأسواق وعولمة السلع المحلية، والتحول التدريجي في العلاقة بين الدول من اعتبارات الأيديولوجية إلى اعتبارات المصالح المادية، إلا أنها أسهمت أيضاً في نشر الاستغلال والعبودية .

قدم الدكتور جاسم المناعي، مدير عام صندوق النقد العربي، مداخلة تحدث فيها عن أهمية التذكير بالتاريخ الاقتصادي، الذي مر به العالم، كذلك ضرورة التركيز على المؤثرات الرئيسة والممارسات التي تلعب دوراً بارزاً في التنافس الاقتصادي، المتمثلة بحرب

العملات، والأموال التي تهاجر إلى الأماكن التي يحصل فيها على محفزات مغرية، إضافة إلى مؤشر مزاولة الأعمال، وتوفير السيولة للحصول على تمويل .

بينما تحدث الدكتور علي الخطيب، أكاديمي، عن إبراز محطتين سيكون لهما تأثير في الاقتصاد العالمي، وهما بناء دولة الرعاية الاجتماعية، ودخول الاقتصاد العالمي في العولمة، التي لا تراعي سوى المصالح الربحية المتنامية، كذلك مراجعة حقيقة الاقتصاد العالمي كما بدأ منذ 30 سنة .

ومن جانبه تطرق الدكتور حسن قايد أستاذ الإعلام والاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات، في مداخلته إلى التحولات الاقتصادية الكبرى، التي كان الحديث فيها عبر مفكرين عالميين، حيث إنه تزداد الرغبة للمعرفة، كلما كان أقرب للبيئة التي نعيش فيها، متسائلاً عن موقع الخليج في هذه المنظومة .

كذلك الأمر بالنسبة لسلطان صقر السويدي، رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، الذي طرح سؤالاً عن موقع عالمنا العربي من كل هذه التغيرات والحركة الاقتصادية العالمية .

بينما تحدث فؤاد زيدان، رئيس تحرير في تلفزيون الشارقة، عن كون الإنسان محور اقتصاد المعرفة، إلا أن الإنسان المبدع، لم يعد في بيئته، خاصة في المجتمعات النامية، نتيجة توجهه إلى الاقتصاديات الكبرى .

* * *

الجلسة الثالثة

دور التكتلات الدولية في رسم مستقبل النظام الدولي

مئات القرارات من الجامعة العربية لم تفضِ إلى تكتل حقيقي

 

أكدت الدكتورة ابتسام الكتبي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة الإمارات العربية المتحدة، أن الاتحاد الأوروبي لا يواجه انفراطاً لعقده، على الرغم من الأزمات الاقتصادية التي تواجهها دوله، وأن الكثير من الدول الأوروبية تختلف مع سياساته، مضيفة: إنه بالنظر إلى جامعة الدول العربية نجد أننا أمام مقومات تجعلنا تكتلاً فاعلاً، لكن مئات القرارات والاجتماعات التي تخرج بها الجامعة لم تفض إلى تكتل عربي حقيقي فاعل، وإن وجد تكتل ثقافي بين الدول العربية بشكل ما .

تغطية: أمين الجمال

جاء ذلك خلال ردها على مداخلات الحضور على هامش تقديمها ورقة بعنوان دور التكتلات الدولية في رسم مستقبل النظام الدولي التي تناولت فيها بدايات ظهور التكتلات الدولية، بعد الحرب العالمية الثانية، حيث جاءت لمواجهة التحولات التي شهدها العالم في تلك الفترة، فظهرت كنتيجة للقيود في العلاقات الدولية وكمحاولة جزئية لتحرير التجارة بين الدول، لافتة إلى أن مصطلح التكتلات الدولية يشير إلى كيانات إقليمية ودولية كبرى يجمعها مصالح مشتركة، اقتصادية في الأغلب، وأبرز ما يميزها ليس التوافق على المصالح السياسية أو العسكرية، وإنما المصالح الاقتصادية ومناطق التجارة الحرة وفتح الأسواق، وتوحيد الأنظمة الجمركية، وتحقيق المنافع الناجمة عن سوق مشتركة لإقليم ممتد، والانطلاق الجماعي على المستوى الدولي لتحسين وضعية التكتل في ظل معايير محددة لأعضائه .

وأكدت أن الحاجة إلى التكتلات الدولية لأجل تحقيق المصالح الاقتصادية مستديمة تمثل المسار الأساسي للتقدم الدولي، وأنه من الممكن أن يكتسي التكتل طابعاً سياسياً، فتعمل وحداته بشكل متسق لما يضمن مصالحها السياسية والاقتصادية، مشيرة إلى أنه رغم وجود عراقيل اقتصادية أمام الاتحاد الأوروبي، إلا أنه لا شك في أن مسار هذا الاتحاد هو مسار مستديم .

وذكرت أنه يوجد في الوقت الراهن العديد من التكتلات الدولية، أبرزها الاتحاد الأوروبي، والأبيك، والأفتا، والآسيان، وسارك، والإفتا، والسوق المشتركة لأمريكا الوسطى، والسوق المشتركة للكاريبي، والجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا، وكومنولث الدول المستقلة، والكوميسا، والجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا، وإيكواس، ومجلس التعاون الخليجي، والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي، موضحة أن الدول تلجأ إلى التكتلات الاقتصادية كأداة لتحقيق أهداف معينة، ترتكز أغلبها حول دفع عجلة النمو الاقتصادي وتحقيق معدلات نمو اقتصادية تؤدي إلى تضييق الفجوات بين دولها .

وحول أهمية التكتلات الدولية، قالت الكعبي: العالم الراهن لا مكان فيه للدول الصغيرة أو للعمل الفردي، فحتى أكبر الدول تسعى إلى تحقيق وتعظيم مصالحها من خلال تكتلات وائتلافات دولية، إذ يحقق التكتل الدولي العديد من الفوائد لأطرافه، فضلاً عن أن الاندماج العالمي أصبح حقيقة قائمة، منوهة بأن التكتلات الدولية تحقق العديد من الفوائد أبرزها التعامل مع تعقد وتشابك الظاهرة الدولية، حيث عملت التكتلات الاقتصادية الدولية على وراثة النظام الدولي وفرض التعايش بين وحدات سياسية كانت مشغولة سابقاً بالصراع البيني . ووجدت العديد من الدول والكيانات التي كانت محشورة جبراً في صراع الأحلاف السياسية من دون داع أو فائدة، تتجه إلى التكتل والتوحد والعودة إلى مجالها الحيوي الرئيسي، وعلى سبيل المثال، فإن كل دول أوروبا الشرقية سابقاً عادت إلى حضنها الطبيعي، وانتهى الأمر إلى دخولها ليس فقط الاتحاد الأوروبي، وإنما الكيانات العسكرية الغربية كحلف الناتو، وبرزت مع هذه التحولات الدولية طوائف واسعة من التهديدات والأخطار التي استلزمت ضرورة البحث عن مجالات التعاون المشترك، منها الأخطار البيئية، والكوارث الطبيعية، والأخطار والتهديدات على مستقبل الكوكب، وتهريب المخدرات والبشر، وتفجر طوائف واسعة من الصراعات الإثنية والأدنى من الدولة .

وتابعت: وتبرز أهمية التكتلات أيضاً في تجميع وتكتيل المصالح، فالدول الأعضاء في كل تكتل ليست مضطرة أو مجبرة للدخول في أبنية هيكلية تسحق كياناتها الخاصة، وإنما تدخل التكتل الاقتصادي وفق منظومة ومجموعة من القواعد والشروط والمعايير القائمة على مفهوم الشراكة التي تتحقق بسلسلة من الاتفاقيات البينية التي تدخلها الدول بإرادتها الحرة، وتنفصل عنها بإرادتها الحرة أيضاً، مشيرة إلى أن حركة التبادلات التجارية السلعية في العالم إلى قدر كبير من تكتل المصالح في الكيانات الكبرى .

وعن الشروط المسهلة لنجاح التكتلات الدولية قالت الدكتورة ابتسام الكتبي: يتوقف نجاح أو فشل التكتلات الدولية على مجموعة من الاعتبارات، إذ لا توفر الرغبة وحدها الفرصة والشروط اللازمة لنجاح أي تكتل إقليمي، وإنما يتطلب ذلك توافر مجموعة من الشروط والمعايير، يتمثل أبرزها في التقارب الجغرافي، و التنوع الاقتصادي وتقارب الأنظمة الاقتصادية، و تجانس طبيعة الأنظمة السياسية، الانسجام والتجانس الاجتماعي والثقافي والقيمي، و التدرج في الأهداف وتبني المنهج الوظيفي .

وأضافت الكتبي أن مستقبل النظام الدولي في ظل التكتلات الدولية، ويمكن مناقشة تأثير التكتلات الدولية على مستقبل النظام الدولي من خلال رصد تأثيرها واحتمالات انعكاساتها في جوانب عديدة، أهمها النقطة الأولى: خريطة التقسيم العالمي والاستقرار الدولي، حيث ظلت على الدوام المشكلة الخاصة بالصراع وتوزيع ميزان القوى في العالم إحدى القضايا الأساسية في تقييم مدى قدرة نظام دولي ما على الاستمرار، وقد مكن عالم القطبية الثنائية مع تحقق الردع النووي المتبادل من ضمان قدر من الاستقرار العالمي ومنع وقوع حرب عالمية ثالثة . ولعل من أهم ما أضافته التكتلات الدولية في هذا الصدد أنها خلقت مساحات ومجالات دولية جديدة للتنافس الإيجابي بين الدول، على نحو يكرس السلام من خلال مداخل وظيفية تكرس التعاون الإيجابي وتجعله واقعاً أساسياً، وليس من خلال الأدوات العسكرية وموازين القوى . وبالتأكيد فإن استقرار الصراعات الإقليمية بعد الحرب الباردة لا يعزى فقط إلى التكتلات الدولية الجديدة وإنما إلى عوامل عديدة من بينها هذه التكتلات، فالدول الموجودة ضمن تكتل دولي من المفترض ألا تندفع إلى تسوية مشكلاتها السياسية بالأدوات العسكرية، وهو ما يشير إليه حالة الاستقرار الملموسة في الصراعات الإقليمية عبر السنوات الماضية، حيث انهمكت أغلب الدول في السعي إلى التكتل لأجل إحراز مزايا تمكنها من الاستمرار في ظل المنافسة الشديدة، لافتة إلى أن مقدار إسهامها في السلام والاستقرار الدولي هو أمر من الصعب معرفته، فالخبرة الدولية تشير إلى اتجاه كل كيان للقوة في مرحلة ما إلى التعبير عن ذاته وعن وجوده من خلال أشكال سياسية، أو أنه يطرح في مراحل تالية أهدافاً وشروطاً سياسية .

فيما ذكرت أن النقطة الثانية تتمثل في خريطة التنمية والفجوات بين الأقاليم، حيث تميل التكتلات الدولية إلى تكريس حالة من التقسيم الجديد البازغ في العالم .

أما النقطة الثالثة فتتمثل في الخريطة السياسية التقليدية، حيث يمكن أن نلمس تأثير التكتلات الدولية على مستقبل النظام الدولي من خلال رصد تأثيرها في ثلاثة جوانب في خريطة النظام الدولي التقليدي، وهي: تأثير التكتلات في الأمم المتحدة، وتأثيرها على الدولة القومية،

التكتلان العربي والخليجي

في مداخلة للدكتور جاسم المناعي مدير عام صندوق النقد العربي ذكر أن المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية لم تنصف الكثير من الدول، لافتاً إلى أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، على صعيد الوحدة، يعطي بارقة أمل في هذا المجال على صعيد السياسة والاقتصاد .

ورأى الدكتور رياض الدباغ مستشار جامعة عجمان لشؤون البيئة أن تكتل دول البركس الذي برز حديثاً بين كل من البرازيل والهند والصين وروسيا وجنوب إفريقيا من التكتلات المهمة والقوية، فيما يبدو الاتحاد الأوروبي، حسب الدباغ، ليس من الاتحادات القوية، لما يصيبه من المشكلات الحالية .

وفي ردها على المداخلة قالت الدكتورة ابتسام الكعبي: أتفق على أن الكثير من الدول الأوروبية تختلف عن الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى وجود الأزمات الاقتصادية، لكن هذا الاتحاد لا يواجه انفراطاً لعقده .

* * *

جلسة المائدة المستديرة

الدول النامية في ظل الصراع الدولي (فرص ومخاطر)

الدول النامية الأفضل حالاً والنظام العربي في اتجاه غير عربي

تغطية: طارق زياد

ساد الجلسة الختامية لمؤتمر الخليج للدراسات جلسة المائدة المستديرة، نوع من التفاؤل على مصير الدولة النامية حتى العام ،2020 لأن التقارير الدولية بينت وجود نمو سريع في اقتصادها، وأنها ستكون أفضل حالاً، مقارنة بالدولة المتقدمة التي تعاني أثر الأزمة المالية .

في المقابل رأى المشاركون في الجلسة التي أدارها الدكتور يوسف الحسن، وعقدت بعنوان الدول النامية في ظل الصراع الدولي (فرص ومخاطر)، أن النظام الإقليمي العربي يواجه تحديات جمة، وأنه قد يتغير إلى نظام آخر، لكن باتجاه غير عربي، وأن الحلم الديني في الوقت حالي هو القوي .

في البداية، أعطى الدكتور يوسف الحسن الكلمة لمحمد الشعالي الذي أكد أن مفهوم الدولة في الوقت الحالي بات مثيراً للتساؤل، مشيراً إلى أن مكاتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية FPI باتت في كل دولة، تراقب أبناءها وتنتهك خصوصيتها .

وأشار إلى أن مفهوم الدولة النامية هو مفهوم سياسي، وهي الدولة التي تعمل على بناء نفسها من دون الخضوع للدول الكبرى، مشدداً على وجود شك في هذا المفهوم أيضاَ، ومبيناً في الوقت ذاته أن مفهوم دول عدم الانحياز شبه مختف من العلاقات الدولية، بعد أن كان مؤثراً في الأمم المتحدة .

وأكد الشعالي أن الدور الأمريكي لا يمكن أن يتزحزح من المنطقة، موضحاً: نحن في الوطن العربي محور صراع الدول، بسبب وجود النفط، وكل الحروب التي تدور بين المتصارعين تتم على أرضنا، ولكنني لم أسمع خلال المؤتمر من يتحدث عن وضعنا في ظل هذا الصراع، وسأذكر لكم أنني تركت واشنطن عام 1999 ، وكان هناك 15 مركزاً وقتها، لا تتحدث إلا عن الشرق الأوسط، فكيف لا نتحدث عن أوضاعنا الخليجية؟ .

وأكد الدكتور علي فخرو أن الدول المسيطرة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في عالمنا اليوم لن تسمح لأي كان بالدخول في اللعبة الكبرى، إلا إذا أرغمت على ذلك، ضارباً مثلاً بأن أمريكا لم تسمح للدول اللاتينية بالدخول في اللعبة الكبرى، إلا بعد أن تمكنت هذه الدول من التكتل، وأصبحت قوة تفرض نفسها على الولايات المتحدة .

وذكر أن هناك تقريراً صدر مؤخراً بيّن أن دخل دول مجلس التعاون الخليجي سيصل إلى 12 تريليون دولار خلال السنوات المقبلة، ومن المتوقع أن يزيد إذا ارتفع سعر البترول والغاز، متسائلاً، هل إمكانات دول مجلس التعاون تستطع أن تدخل الأمة العربية في ميدان الساحة الدولية؟

وشدد على أنه يتوجب على دول مجلس التعاون الخليجي اتخاذ قرار في إنماء الدول العربية، ليس منحاً بل استثماراً للمستقبل، مؤكداً أن الأزمة المالية الماضية، أثبتت أن نقل الأموال للخارج سيضيعه، وأنه لو ذهبت هذه الأموال إلى دول عربية لكانت الخسائر أقل، ومتسائلاً هل يستطيع أحد أن يسكن قصر في وسط بيئة همها الفقر، والحاجة؟ .

وأوضح أن دول التعاون تحتاج إلى أن تفكر استراتيجياً في إنماء الدول العربية، لأنها العمق الاستراتيجي لها، مشيراً إلى أن التفكير يجب أن يمتد لسنين طويلة قبل أن ينتهي البترول .

وقال د . عبدالخالق عبدالله، إن وضع الدول النامية في المشهد العالمي، وخاصة التكتلات الكبرى (آسيا وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية)، أفضل حالاً خلال العام الجاري، مما كانت عليه قبل 10 سنوات من حيث الوضع الاقتصادي والسياسي، مشدداً على أنه استمر الوضع الراهن، فإنها ستكون أفضل مستقبلاً .

وأشار إلى أن تقريراً صادراً حول التنمية البشرية الأسبوع الماضي وعنوانه نهضة الجنوب في العالم المتنوع، أظهر أن التكتلات في الدول النامية حققت نمواً اقتصادياً، وأصبحت تتمتع بنفوذ سياسي، وأنه إذا استمر وضعها التنموي الحالي ستكون أفضل حالاً في 2020 .

وأوضح أن التقرير بيَّن أن إنتاج 3 دول نامية الصين والهند والبرازيل سيزيد على مجموع إنتاج بريطانية والمانيا وكندا وحتى الولايات المتحدة في العام ،2020 إذا استمرت التكتلات في النمو، مشيرا إلى أن هذه هي الحقائق يجب أن تغير الصورة النمطية عن الدول النامية .

وأكدت د . فاطمة الشامسي أن تقريراً للتنافسية قسم الدول إلى 3 مجموعات، الأولى دول محكومة بالموارد، والثانية المدفوعة بالطاقة الإنتاجية، والثالثة المدفوعة بالاختراع والابتكار، مشيرة إلى أن الإمارات صنفت من ضمن المجموعة الثالثة واحتلت المركز 23 بين 44 دولة .

وأوضحت أن التقرير وضع 12 ركيزة في تصنيف الدول، تتعلق بالمؤسسات الرسمية وتطورها وكفاءتها، البنية التحتية، مناخ السياسات، الصحة والتعليم الأساسي، التعليم العالي والتدريب، كفاءة سوق السلع، كفاءة سوق العمل، تطوير السوق المالية ، الاستعداد التقني .

وبينت أن الدولة النامية الصورة فيها أفضل حالاً، وتسير بوتيرة أسرع، لكن هناك تحديات كثيرة، في حين أن المنطقة المرتبطة باليورو ترتبط بتراجعه .

بعد انتهاء كلمة د . فاطمة الشامسي، قال الدكتور يوسف الحسن إن العالم العربي دخل القرن ،21 ومن ثم دخل مرحلة خطرة بكل معنى الكلمة، وشهد تحولات كبيرة، كانت بدايتها في التسعينيات عند احتلال العراق للكويت، وصولاً إلى ما نراه الآن من ضعف في البنية المجتمعية، والسلم الأهلي، والتفتت، وساد الاختراق الجسم العربي سواء من دول الجوار أو غيرها، وهي لا تحوز رضا أغلبية أبناء الشعب العربي .

وأضاف: سؤالي إلى جميل مطر، هل تعني هذه التطورات إعلان وفاة النظام الإقليمي العربي، أم أنه في مرحلة جديدة، وما هو دور مجلس التعاون، وخاصة أن فعاليته ازدادت؟

رد جميل مطر على السؤال، قائلا: إنها مرحلة خطرة، وتحولات كبيرة، ودراما، واختراق، وهل نعلن وفاة النظام الإقليمي العربي، الجواب ليس بالضرورة الوفاة، فيمكن أن يتحول إلى شيء عربي أفضل، أو إلى نظام إقليمي آخر .

وأشار مطر إلى أنه حصلت 3 حوادث مهمة مؤخراً تبين حقيقة ما أصبح عليه العالم العربي، الأولى المبادرة العربية، حيث ذهب العرب إلى واشنطن من أجل تسوية الصراع مع إسرائيل، مشيراً إلى أنهم لم يكونوا في أفضل أحوالهم للتفاوض .

وبين أن الحدث الثاني هو الوضع في سوريا، وأن الدليل على الضعف العربي، يتمثل في احتيارهم بين عسكرة الثورة أو المفاوضات، حيث لم يستطيعوا عمل الاثنين، بالإضافة إلى عدم قدرتهم على قراءة الموقفين الروسي والصيني .

أمام الحدث الثالثة، فأكد مطر أنه يتمثل في العلاقة بين أمريكا ومصر، مشيراً إلى الحديث عن الإسلام وأثره في العالم بدأ منذ 15-20 سنة الماضية، وأنه عند وصول الإسلاميين فجأة إلى الحكم، وجدتها أمريكا فرصة وقالت ياريت يتولوا الحكم .

وشدد مطر على أن النظام العربي يتغير في اتجاه غير عربي، وأن الحلم الديني أقوى من أي شيء آخر، وهذا معناه أن عنصراً جديداً دخل النظام العربي .

دعوة لإطفاء الحريق العربي

دعا محمد ذياب الموسى في كلمة مؤثرة، أثناء مداخلته في جلسة الطاولة المستديرة إلى أن تكون هناك مبادرة موجهة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، والإمارات تحديدا، لإطفاء الحريق الذي يعم العالم العربي، ويقتل الكثير من أبنائنا .

وقال: في الصباح كنت محبطاً، وذهب الإحباط في هذه الجلسة، فقد كنا نتحدث وكأننا نعيش في عالم آخر، وكنا نتحدث عن التكتل العالمي، علماً بأننا في أمس الحاجة للتكتل، ولكني أضيف أن الحريق العربي الذي هو ليس ربيعاً، يقتل يومياً أكثر مما قتلته إسرائيل في شهر، وأتمنى أن تكون هناك مبادرة أو نداء إلى مجلس التعاون الخليجي والإمارات تحديداً، لإطفاء هذا الحريق .

المساعدات الاقتصادية

أكد د . جاسم المناعي في مداخلته أن المساعدة الاقتصادية التي تقدمها دول الخليج إلى الدولة العربية ستبقى مستمرة، لأنها تعكس مدى شعورها بالعمق الاستراتيجي، لكنه تساءل هل تستطيع المساعدات انتشال أوضاع الدول العربية من أوضاعها الراهنة؟

شكر وتقدير

في ختام الجلسة المستديرة، تقدم الدكتور يوسف الحسن بالشكر إلى الدكتور عبد الله عمران رئيس مجلس إدارة دار الخليج، ومركز الخليج للدراسات، على تنظيم المؤتمر، مشيراً إلى أننا نستحضر دائماً ذكرى المغفور له بإذن الله تريم عمران في هذه المؤتمر، داعياً أن يحفظ الله هذه الأمة، وأن يحفظ الإمارات بلداً آمناً، مستقراً، معطاء .