الطاولة المستديرة تناقش دور الشباب العربي في التحولات المقبلة
سلطت جلسة الطاولة المستديرة التي ترأسها الدكتور يوسف الحسن بعنوان دور الشباب في الاصلاح والتغيير في العقد المقبل الضوء على الأجيال الجديدة من الشباب العربي والدور الملقى على كاهلهم في التحولات المقبلة . وطرح رئيس الجلسة 4 تساؤلات رئيسة حول دور الحركات الشبابية في المشهد السياسي المقبل، ومدى قدرة هذه الحركات على بناء كيان سياسي بإطار قانوني،
وهل ستستمر كحركات احتجاجية أم أنها ستنخرط في أحزاب سياسية في ظل افتقادها للخبرات اللازمة في مجالات الاصلاح والبناء، فضلاً عن أن استمرار هذه الحركات سيكون سندا لمطمح التحول أم سيقودها إلى موقف عدمي وتظاهرات توقف الإنتاج اليومي، بالإضافة إلى قدرة نجاح هذه الحركات على العمل باستقلالية بعيداً عن أوساط الأحزاب القائمة .
قال الدكتور الحسن: فلنعترف كمفكرين ومنشغلين في الشأن العام بأننا طوال العقود الثلاثة الماضية، قد أخطأنا التحليل والتقدير لهذا الجيل، حينما ساد بيننا انطباع سلبي عن الشباب، وظننا أنه جيل لا مبال، عازف عن المشاركة والانخراط في الحياة العامة، جيل متشبع بقيم الاستهلاك وثقافة التفاهة، ومنغمس في الغرائزية والنفعية، بعيداً عن القراءة والجدية والانتاجية ومعايير القيم الجمالية .
وأضاف، أنه لربما إنجرفنا أمام هذه القيم، حيث يقول البعض إن القلق كان مشروعا في ظل الوهن الذي تعاني منه مؤسساتنا التعليمية والسياسية التي عجزت عن اخراط الشباب في الحياة اليومية .
وقال: إن هذه الصورة النمطية للشباب قد تغيرت بسرعة قياسية وعبرت إلى فضاءات جديدة، تتجاوز الركود والجمود والعجز، وتقدم خصالاً بمعايير إنسانية وسلمية تدور حول دولة المواطنة والمساواة وترسي مبدأ المحاسبة، لذا من الظلم القول إن مطلب التغيير ينسب إلى فئة الشباب فقط حيث عبد اصلاحيون طريق الثورة، فيما اكتشفت قطاعات الشباب ذاتها وباتت أكثر ثقة بنفسها وتمسكاً بالحوار في ظل طابع حركاتها السلمي .
وأشار الدكتور الحسن أن ثقافة العنف باتت مستهلكة ومنحسرة، إلا أن اكتشاف الذات لا يكفي حيث من الضروري كشف الذات واخضاعها لتجربة التفاعل باعتبار أن مسار التغيير مفتوح على الجانبين ومحفوف بالمخاطر .
تراجع الأيديولوجيات
د . سعيد حارب قال في مشاركته إن الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها الجلسة تذهب في أكثر من اتجاه، لذا من الضروري التحدث في اتجاهين، أولهما استقراء الواقع، وثانيهما استشراق المستقبل .
وأضاف، أن العالم العربي يعد من أكثر مناطق العالم احتواء لفئة الشباب، كما أن الشرائح العمرية للفئات صغيرة السن، تمثل النسبة الكبرى من سكانه، فضلاً عن أن اتساع رقعته وتعدد دوله والنمو السريع في أعداد سكانه، وارتفاع نسبة الخصوبة، وعدد أفراد الأسرة المسلمة، جميعها مؤشرات على أن الشباب في العالم الإسلامي يمثلون شريحة كبيرة من بين سكانه .
وأشار إلى أنه إذا كانت الأرقام والاحصائيات المتداولة تشير إلى زيادة عدد الشباب ما بين سن 15 و،24 فإنها تشير بذلك إلى تزايد الدور المتوقع من الشباب خلال السنوات المقبلة، بعد أن أصبح الاهتمام بقضايا الشباب اهتماماً عالمياً، حيث صدرت المواثيق والبرامج الدولية حولهم .
وحول مميزات حركات الشباب العربي، قال الدكتور حارب إنها ليست حركات مطلبية معيشية، وإن بدت كذلك إلا أنها حركات حقوقية، كما أنه لأول مرة يتصدى الشباب العربي في العصر الحديث لقيادة الحراك المجتمعي، فضلا عن كون هذه الحركات غير مؤدلجة إلا أنها سريعة التسييس، ما يؤكد أن حركة الشباب عصية على الضبط فيما يمكن ضبط وتحجيم والتفاهم مع الحركات المؤدلجة .
وأضاف أن هناك مبادئ أساسية يتحرك عليها الشباب مثل الكرامة وسيادة القانون والتي كانت تنادي بها الاحزاب السياسية، إلا أن الشباب سيبقى متبنياً لها في ظل ملء كل طرف لها بفكره .
وأشار إلى أن الأيديولوجيات ستتراجع في المرحلة المقبلة لتحل مكانها القيم ما سينعكس بدوره على التطرف والإرهاب والعنف، فضلا عن أن إصرار الشباب على تحقيق أهدافه سينعكس على الواقع الحزبي، في ظل يقينه أن بإمكان الاصرار تحقيق المطالب من جهة، وتحوله إلى جيل تكنولوجي من جهة أخرى .
الصبغه الشبابية
الدكتورة فاطمة الصايغ قالت في مشاركتها إن الشباب فوجئ بقدرتهم على التغيير، حيث كانت مطالبهم في بادئ الأمر عادية قبل أن يلجأوا إلى استخدام تقنيات الاتصال الحديثة لإيصال رسائلهم، في ظل الصورة التي كانت متداولة والرسالة الاعلامية التي كانت تصورهم بأنهم منهمكون بالترفيه ومنقسمون حول خطاب ديني يتجاذبه معسكران أحدهما علماني والآخر متطرف .
وأضافت أن حركات اليوم استطاعت الوصول إلى شرائح متعددة وإيصال رسالتها، حيث غلب عليها لقب الحركات الشبابية بعد أن استطاع الشباب إعطاء صبغتهم الشبابية لثوراتهم، ما يبعث بالتساؤل حول مدى قدرة صناع القرار على تجاهلهم، في ظل حراك بعض الدول لامتصاص غضب الشريحة الشبابية وتلبيبة تطلعاتها قبل حراكها .
وأوضحت أنه على صناع القرار أخذ شريحة الشباب مأخذ الجد، بعد أن أثبتت الأحداث الجارية خطأ الكثير من المحللين الذين كانوا يتخوفون من امتصاص التيارات الارهابية للشباب في ظل الفقر والبطالة، ما يؤكد ضرورة إشراكهم في السلطة وأخذ رأيهم في المجالات والنواحي المتعلقة بهم .
النظام الدولي
فيما قال الدكتور عصام الرواس، إن شباب اليوم تحركوا بعد أن رأوا المستقبل يسرق منهم، وليس هناك منفذ للعبور لمستقبل أكثر إشراقاً، أضف إلى ذلك مدى مساهمة السياسات الخاطئة بخروج الشباب إلى الميادين، فضلا عن السياسات الضبابية ما ولد عنه شعور باليأس .
وأضاف، أنه من المستغرب أن مجمل الانقلابات العسكرية التي أدت إلى إستلام دفة الحكم في الوطن العربي، قام بها شباب، إلا أنهم انقلبوا على شعاراتهم بعد ذلك .
وقال إن النظام الدولي لم يعد يقبل بأنظمة مطبقة على الحكم في ظل الدعوات إلى ضرورة الديمقراطية والمساواة، والنظر إلى دولنا العربية على أنها غير شرعية، ما أفضى عن استباحة كل ما فيها، ولتصل المسألة إلى فرض سياسات كجزء من اللعبة الدولية في المنطقة التي تشكل ملتقى للعالم .
وأضاف، أن الجميع كان له دور في الحراك الحاصل، إلا أننا نجهل ما سينتج عن الحركات التي كانت مطلبية في بداية الأمر، ثم أصبحت تمضي بأسلوب متطور على غير العادة، ما سيطرح تساؤلاً حول مدى قبول الدول الكبرى ما ستأتي بها هذه الحركات وتطلعاتها أم أنها ستقف عائقاً أمام ذلك .
وأكد د . الرواس على خطورة تفتيت المجتمع للحصول على الإصلاح، مشيرا إلى أن الوطن لا يتحمل الصراعات والتدخلات بعد أن رجع الغرب منقذا وهو ما لا نرغب به .
محاكمات لمدونين
الدكتور غانم النجار، قال إنه من غير المفاجئ أن تحمل الشعارات المستخدمة في الحركات الشبابية عناوين الحقوق المدنية، حيث عرفت هذه الحركات كيفية استثمار الجانب الحقوقي في المعاناة السياسية خلال 20 سنة مضت، أضف إلى ذلك تعاملها بذكاء مع طرق الاتصال الحديثة مع الإشارة إلى أنه تم التعامل مع موقع التواصل الاجتماعي تويتر لأول مرة خلال الحركة الخضراء في إيران . وأكد أن كثيراً من المحاكمات في الدول العربية كانت ضد مدونين .
واستعرض الثورة المصرية، وقال إنه من الأفضل عدم الانخراط بحزب سياسي مباشر، بعد أن أصبحت أداة التغيير معروفة، ما يجعل من شباب المستقبل أكثر فاعلية، كما سيكون هناك مرحلة انتقالية في ظل وجود تشكيلات مختلفة وإدراك أدوات التعبير .
تأثير العولمة
من جهته قال جميل مطر إن العولمة كان لها بالغ التأثير على شباب اليوم، حيث إنهم جميعاً متعلمون ومنفتحون وينحدرون من الطبقة الوسطى، فضلا عن فصلها الكبار عن الصغار في ظل انشغال الأهل بأمور ومتطلبات الحياة ولجوء الاطفال والشباب إلى الأساليب الحديثة ما نتج عنه فجوة في المجتمع .
وأوضح أنه من الضروري تفكيك العقل البشري لمعرفة كيفية تفكيره في ظل جهل شباب اليوم لعواطفهم ما نتج عنه زيادة نسب الطلاق في أوساط الشباب بالمجتمع المصري على سبيل المثال .
وتوقف د . مطر عند التجربة التركية، حيث قال إنه على الرغم من كونها تجربة جيدة ونموذجاً ناجحاً إلا أنها أتت نتاج 100 سنة من العلمانية، ومن هنا فإنه من غير الممكن نقل هذه التجربة إلى الوطن العربي .
وأضاف أنه من المتوقع الوصول إلى ثقافة موحدة لاقتراب الأجيال من بعضها، مع ضرورة إحداث هذا النوع من التقارب لتجنب الوصول إلى مرحلة اللاثقافة .