الجلسة الثانية: التفاعلات السياسية العربية العقد القادم
في الجلسة التي أدارها محمد حسين الشعالي وزير الدولة للشؤون الخارجية الأسبق، استعرض الدكتور عبد الإله بلقزيز في ورقة عمل بعنوان العلاقات العربية العربية العديد من المعضلات المتمثلة في العلاقات العربية العربية من حيث الشكل، أي من زاوية انتظامها في الأطر المؤسَّسية الخاصة بها (جامعة الدول العربية)، وقال إنه جاز الاعتقاد أن أوضاعها في العقد الأوّل من هذا القرن لم تكن بالسوء الذي كانَتْهُ في عقد التسعينيات الذي قبله، هذا على الأقل ما يوحي به انتظام عقد القمة العربية السنوية منذ العام ،2000 عقب انتفاضة الأقصى الفلسطينية الثانية .
قال في أربعة بلدانٍ أو خمسة، الحصيلة التغييرية لن تُحْدِث كبيرَ تعديلٍ في نسق العلاقات العربية العربية؛ ستتعايش أنظمة الثورة مع الأنظمة القائمة، والسياسات الجديدة مع السياسات القديمة، في أفضل أحوال العلاقة بين الفريقين، وقد يتنافران وينشأ من ذلك استقطاب يشلُّ العمل العربي المشترك . أمّا إذا امتدت موجة الثورة فغمرت دول العرب كافة، أو الأغلب منها، خاصة إن كان في جملة ذلك الأغلبِ دولٌ كبرى ذاتُ تأثير، فسيختلف الموقف حتماً . لن تكون الثورة، في هذه الحال، معسكراً سياسيّاً قليل العدد في النظام العربي وضعيفَ الموارد (التي لم تعد سياسية وعسكرية فحسب -مثلما كان ذلك قبل ثلاثين أو أربعين عاماً- وإنما اقتصادية ومالية أيضاً)، وإنما المعسكر الأكبر والأوسع والأقوى بمقاييس الموارد والقوى الاستراتيجية . حينها يصبح في وسع الثورة وقواها وأنظمتها أن تفرض إرادتها، وأن تعيد بناء النظام الرسمي العربي على قواعد جديدة مختلفة عن تلك التي قام عليها منذ ثلثيْ قرن .
وأكد أن تعديلاً ما في صورة العلاقات العربية العربية سيقع أيّاً تكن النتائج التي ستنتهي إليها الموجة الثورية الجارية . وعلينا -هنا- أن نوضّح ما قصدناه توخّياً للوضوح ورفعاً للالتباس .
على أن الأهمَّ من التاريخ الماضي ودروسه، ما يفرضه الحاضر من تحديات على العرب تمتحن مصيرهم كجماعة قومية . وإذا لم نحتسب من التحديات -وهي كثيرة- إلا جانبها الاقتصادي فحسب، فذلك يكفي ليفرض على العلاقات العربية العربية صحوَةَ تعاوُنٍ تُخْرِجُها من سُباتها .
وأضاف، إن العولمة اليوم، وما تلقيه على مصائر الأمم والبلدان الصغيرة من تبعات، لا تترك مجالاً أمام تَرَف الاختيار بين أن تَحْكُم المنظومةُ العربية على نفسها بالشلل و-بالتالي- بالمزيد من التبعية للخارج، وبين أن تعيد ضخّ الحياة فيها في أفق تحقيق الاعتماد المتبادل . وليس ينبغي-في ميزان العقل الراشد-أن تضيع فرصةُ تصحيحِ حالِ العلاقات العربية العربية في تضاعيف انقسامٍ سياسيٍّ جديد بين معسكريْن عربيَّيْن بعد أن عزَّ التحوُّلُ العربيّ إلى معسكرٍ واحد
واستعرضت الدكتورة ابتسام الكتبي أستاذة العلوم السياسية في جامعة الإمارات في الورقة الثانية -دور المجتمع المدني العربي- وقالت إن الثورات العربية مدينة للمجتمع المدني العربي بأكثر مما هي مدينة لأي شيء آخر، ولا نحيد عن الحقيقة مطلقاً لو قلنا أيضاً إن أكثر الأدوار المقبلة التي تحدد مستقبل ومصير الثورات العربية ومدى إسهامها في الواقع العربي الجديد يرتبط أول ما يرتبط بنشاط المجتمع المدني العربي .
وليست الثورات مدينة للمجتمع المدني العربي فقط لأن مطلقي الثورات العربية هم شباب الفيس بوك وكان الكثير منهم على علاقة بالمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال المجتمع المدني، وإنما هي مدينة أيضاً له لأن من يرصد نشاط وجهود المجتمع المدني على مدى العقدين الماضيين سوف يتبين له بالدليل القاطع أن أكثر الخطابات والمشروعات تواصلاً مع فكر الثورات في الواقع العربي كان هو الخطاب الحقوقي الدفاعي الذي تبنته طائفة من منظمات المجتمع المدني منذ زمن، وأن مطالب الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية التي تبناها الفكر الثوري هي جميعها المجال الرئيس لنشاط المجتمع المدني، وأن تفجر الثورات العربية كان بالأساس مما يدخل في صميم عمل المجتمع المدني العربي .
وأكدت أن مستقبل الثورات العربية سوف يرتبط بنشاط المجتمع العربي، فذلك ما سنركز الحديث عليه في هذه الورقة التي تهدف إلى التعرف إلى ما يمكن أن تحدثه الثورات من تغيير في فكر ونشاط وعمل منظمات المجتمع المدني العربية، والتي سيتضح أنها قاطرة التغيير والحريات التي سوف تنقل أهداف الثورات العربية إلى كل بقعة صغيرة وشريحة ضيقة من المواطنين في البلاد العربية . وسوف يتضح أن جزءاً مهمّاً من المستقبل العربي مرهون بنجاح هذه المنظمات في أداء رسالتها ودورها وفي رغبتنا نحن في إفساح المجال لها لكي تتحرك بهمة ونشاط في الفضاء العربي .
وعملت الدكتورة ابتسام الكتبي على تقديم رؤية هدفها الأساسي الإسهام في بلورة مجموعة من الأفكار بشأن جوانب التغيير المطلوبة في فكر وممارسات المجتمع المدني العربي، خصوصاً المنظمات الحقوقية والخيرية منها، وهي المنظمات التي يتوقع أن يزداد التركيز عليها في الفترة المقبلة في ظل الثورات العربية التي فرضت واقعاً جديداً، لم يعد من الممكن إزاءه الاستمرار في نفس أنماط السلوك لمختلف المؤسسات والهيئات، ومن بينها وقد يكون على رأسها، منظمات المجتمع المدني والثورات العربية التي تعيد إلى أذهاننا معارك البناء وأوضاعاً شبيهة بأوضاع ما بعد الاستقلال في الدول العربية، مما يتعين معه على كل المؤسسات أن تعيد تقييم أعمالها وخدماتها وأدوارها من جديد .
وقالت، مطالب الثورات العربية الراهنة ودوافعها، نجدها جميعاً متشابهة، فالثورات لم تخرج إلا للتنديد بالفساد والقمع والاستبداد، خرجت مطالبة بإسقاط الأنظمة التي عذبت الفرد في وطنه وحبست حريته وأودعتها داخل سجون مُحْكَمة، خرجت للمطالبة بحقوق الإنسان وبالحرية والعدالة الاجتماعية، خرجت رافعة شعارات تعديل الدستور والقوانين وخرجت ضد الممارسات القمعية للأنظمة السلطوية ووزارات الداخلية في البلاد العربية، وقد تم تصميم صفحات الفيس بوك التي كانت الأداة الرئيسة للثورات العربية ضد الاضطهاد وضد ممارسات القمع، وبعضها حمل أسماء شباب اغتالتهم قوات الأمن، وهذه الأمور جميعها ليست سوى حصاد بذور غرستها منظمات المجتمع المدني ونداءات المثقفين على مدى العقدين الماضيين، وهذا يشير إلى أن الثورات العربية ثورات مدنية حقوقية جاءت لتحصد ثمار جهود مضنية لمنظمات المجتمع المدني العربي التي تحملت التضييق والتجاهل من جانب السلطات العربية لسنين طويلة .
ذلك كله يؤكد أن المشهد الأكبر من المستقبل العربي سوف يرتبط بحركة المجتمع المدني وجهوده الرئيسة . إن المجتمعات العالمية تتجه إلى بسط الطابع المدني على الممارسات، وكلمة مدنية تعني معاني عصرية وإنسانية كثيرة، فهي تبتعد عن السياسة والتسييس، كما أنها تؤكد دور الإنسان والمجتمع، وهو ما يؤكد أن نهوض المجتمعات ليس شأن الدولة فقط، وإنما من غير مسعى وجهد وتصميم مجتمعي لا يمكن تلبية أهداف وآمال المجتمعات، ومن ثم نقل مسؤولية المجتمعات إلى المجتمعات ذاتها وتحميل الناس والأفراد مسؤولية إدارة مجتمعهم والوصول به إلى ما يبغون، وتمكنها من رسم وتحديد معالم المجتمع الذي تبغيه ونوعية الممارسات والقيم فيه .
أما في الدول التي تتعثر فيها الثورات والتي يفترض أن تمر بفترة ممتدة من الاضطراب، فإنه سيكون على منظمات المجتمع المدني القيام بأدوار مهمة في تتبع حالات الاعتداء المستمر على الحريات العامة من قبل السلطات، وتتبع ورصد حالات الوفيات والقتل من جانب السلطات ومن جانب الثوار أو المتظاهرين والسلوكيات غير القانونية للسلطات القضائية والأمنية، وذلك قد يجعل منظمات المجتمع المدني في هذه الدول في مواجهة أكثر ضراوة مع سلطات بلدانها، فتتجه هذه السلطات ربما إلى غلق مقارها أو تتبع ناشطيها . ويبدو أن منظمات المجتمع المدني العربية سيكون لها دور مهم في هذه الدول تحديداً بقدر طول أمد الصراع الداخلي أو توالد حروب أهلية ناتجة عن هذه الحالة . إننا مثلاً نجد علامات هذا الدور في بيانات الشجب والتنديد من جانب منظمات المجتمع المدني العربية إزاء قمع السلطات في كل من تونس ومصر وسورية وليبيا للثوار والمتظاهرين، وهو أمر لم يقتصر على جماعات وهيئات المجتمع المدني في كل بلد عربي، وإنما شمل جمعيات من مختلف البلاد العربية على ما يجري في هذا البلد العربي أو ذاك، مما مثل مجالاً لتوحيد الرؤى والتوجهات والمواقف .
وقالت إن الدول التي تتمكن من عبور تحدي الثورات بنجاح في ظل الموجة الراهنة، فإن منظمات المجتمع المدني قد تتعرض لاختبار أشد قسوة، فقد تخضع للترويض من جانب السلطات أو الاستئناس وتكون جسراً لتفادي موجة الثورات، أو قد تتهم بالتحريض على الثورة، ومن ثم تواجه بالقمع من السلطات الحاكمة، فتزداد الرقابة على أنشطتها وتتعرض لقمع السلطات والتشهير بها وغلق مقارها . وهكذا في مختلف البلاد العربية، فإن هناك حراكاً جديداً ومفاهيم وممارسات جديدة سوف تطرأ على عمل منظمات المجتمع المدني في الفترة المقبلة، وهذا الحراك قد يؤدي إلى انطلاق هذه المنظمات في أدوارها فتساعد في تغيير الوضع العربي، أو تكون جبهة من جبهات الصراع مع الدولة، في سعيها لكبح جماح المجتمع .
تحدث جورج القصيفي مسؤول تقرير التنمية البشرية بأبوظبي، عن العوامل الداخلية والخارجية في لبنان، وأنه لابد للخروج من النظام الطائفي، وأنه من الناحية المهنجية وفي حالة مجتمع مدني قوي ودولة ضعيفة، لن نصل إلى المطلوب .
الدكتور عادل أحمد الرويني أستاذ في جامعة الأزهر استعرض قوة الثورة المصرية ومدي التغيرات الجذرية التي أحدثتها .