المشاركون في المائدة المستديرة: المجتمعات العربية تعاني غياب الاستقرار والإرادة السياسية وتقاعد الشعوب

هيمنة الاقتصاد الريعي وتردي التعليم والبطالة أبرز التحديات الداخلية
صحيفة الخليج

أجمع المشاركون في المائدة المستديرة التي أدارها الدكتور يوسف الحسن تحت عنوان مقترحات وتوصيات لمواجهة التحديات على أن هناك العديد من التحديات الداخلية التي تواجه الأنظمة والشعوب العربية، ما يرسم العديد من علامات الاستفهام حول المستقبل الداخلي في ظل غياب الاستقرار السياسي وتردي مستوى التعليم .

أشار المشاركون إلى أن غياب الاستقرار والإرادة السياسية وتقاعد الشعوب العربية، إلى جانب زيادة الفقر والمشكلات الناجمة عن التحول في النظام الايديولوجي وهيمنة الاقتصاد الريعي جميعها، يرسم مستقبلاً ضبابياً للوضع العربي الداخلي .

ودعوا إلى إيجاد نوع من التناسق بين التربويين والاقتصاديين للخروج بمشروع تنموي، للوصول إلى مراتب الدول المتقدمة، مؤكدين أن وجود نظام حكم قانوني ودستوري، بالإضافة إلى توفر أنظمة تحمي المواطن وحركة شعبية فاعلة، من شأنه أن يفعِّل حركة التغيير والإصلاح في الدول العربية .

وأكدوا ضرورة وجود نوع من الكتلة التاريخية التي تستند بمكوناتها إلى الحركتين الإسلامية والقومية، لتفادي المشكلات التي كانت سائدة خلال ال 50 سنة الماضية، التي كان أبرزها الصراع بين الحركات القومية والإسلامية .

كما أشاروا إلى ضرورة وضع خطة عملية للانتقال إلى التحرر من خلال برنامج مبني على التحرك الشعبي، وتواصل النخبة الثقافية إلى إبراز قرار واضح حول الاستراتيجيات العامة، وهل أنها مقتنعة بصحة استراتيجيات عمل الدول العربية وموافقة عليها، أم أنها معارضة بالجملة لهذه الأنظمة؟

وأوضحوا أن هناك نوعاً من التنمية، كإدارة الاقتصاد الكلي، وأن لا يترك للسوق كما هو الحال الآن، وعدم تغييب الاعتبارات السياسية والاجتماعية عن اهتمامات الدول المطالبة بوضع ضوابط لتشجيع الاستثمارات من خلال تشريعات تتبناها بالعودة إلى خطتها الاقتصادية، بالإضافة إلى المواءمة بين التعليم وسوق العمل من خلال مخرجات التعليم، للحصول على أيد ماهرة، وإشراك أفراد المجتمع في العملية التنموية من خلال تقاسم النمو، ووضع الخطط الاقتصادية الأولية، وإنشاء مراكز متخصصة للعلوم البحثية .

الإرادة السياسية

جميل مطر تحدث في مداخلته عن مفهوم الاستقرار السياسي والإرادة السياسية وقال: إن الدول العربية تعاني مجموعة من المشكلات، إلا أن الإرادة السياسية تعتبر المشكلة الحقيقية، حيث من غير المقبول أن تدير طبقة حاكمة واحدة في دولة ما شؤون البلاد العربية مجتمعة، كما أن التعاطي مع الإرادة السياسية للشعوب بشكل سلبي، نتج منه في العشرين سنة الأخيرة شعور بالعجز لدى الشعوب العربية، ليتخطاها إلى الطبقات الحاكمة التي باتت تتيقن عجزها عن حماية مصالحها، ما تولد عنه شعور شعبي ذاتي بالعجز .

وأضاف أن الاستقرار السياسي للولايات المتحدة الأمريكية مرتبط بالحفاظ على الاستقرار السياسي بالدول التي أبرمت اتفاقيات مع إسرائيل ما حدا بالعديد من الدول العربية إلى المضي باتجاه المصالحة مع الكيان الإسرائيلي للحفاظ على استقرارها الداخلي .

وتحدث مطر عن الشعب المصري كأنموذج، مختصراً شعوره الداخلي، فقال إن الشعب المصري لا يشعر بأن العالم العربي يمثله، أو أنه يمثل العالم العربي في ظل الإمعان الإسرائيلي على إذلاله من خلال الزيارات المتكررة لنتنياهو، التي دائماً ما تقترن بأفعال يتقصد منها إذلال الشعب المصري كما العربي، أضف إلى ذلك أن الشعب المصري بالإضافة إلى مخاوفه السياسية، فإنه لأول مرة يتخوف من فقدانه للمياه بسبب المشكلات التي افتعلتها العديد من الدول الإفريقية التي يمر النيل في أراضيها .

وأضاف أن المشكلات التي تعانيها الشعوب العربية، دفعها إلى الاستقالة والتقاعد، والمتقاعد غالباً ما يسترجع أحلام الماضي، وهو ما دفع بالعديد من الشبان إلى اللجوء إلى تيارات لا تعاصر الحاضر في شيء.

صندوق للنهوض بالتعليم

وفي رده على سؤال رئيس الجلسة الدكتور يوسف الحسن حول كيفية تفعيل حركة التغيير والإصلاح في الدول العربية، قال الدكتور عبدالله النيباري إن وجود نظام حكم قانوني ودستوري، بالإضافة إلى توفر أنظمة تحمي المواطن وحركة شعبية فاعلة، من شأنه أن يفعل حركة التغيير والإصلاح في الدول العربية .

وأضاف: إن وجود نظام حكم دستوري يحتاج إلى عمل وكفاح تحققه الشعوب، مع العلم أن إمكانية تحقيقه ليست بالسهولة الممكنة، إلا أن ذلك ممكن من خلال البدء ببرنامج سياسي .

وقال إن التحول في النظام الايديولوجي زاد من الفقر والمشكلات، ما يجعلنا بحاجة إلى برنامج مبني على تشخيص سليم للواقع، يتولى القيام به فئة صغيرة إلى حين انطلاقته الكبرى .

وتحدث عن النضال العربي مستعرضاً مراحله التي مر بها والمتمثلة بالمرحلة السياسية ثم الراديكالية، وصولاً إلى التيار الإسلامي السياسي، وقال إن توفر الدولة المدنية التي يحكمها القانون أمر ضروري، نظراً لكون الطرح الديني غالباً ما يؤدي إلى الانقسام الطائفي، فضلاً عما يثار حول التيارات الإسلامية السياسية من نقاش يحيلها إلى مرجعيتها الدينية التي تتولى مهمة حراسة الفضيلة وتعزيزها، ومن الضروري وضع خطة عملية للانتقال إلى التحرر من خلال برنامج مبني على التحرك الشعبي .

وتقدم النيباري باقتراحين حول وضع صندوق للنهوض بالتعليم من دخل النفط عن طريق استقطاع ما نسبته 1% من مدخول النفط الذي يقدر ب 500 مليار دولار، واستثمار أموال الصندوق للنهوض بالتعليم في الدول التي انحدرت بها العملية التعليمية، على اعتبار أن انتشار التعليم يصب في مصلحة الجميع، مستعرضاً ما يجري في دولة الكويت من انتشار مريع لبيع الشهادات الجامعية، مؤكداً أن الصندوق من شأنه أن يعالج أوضاع الدول النفطية، ويصب كذلك في مصلحة بناء حركات شعبية .

كما تقدم بمقترح لدعم الشعب الفلسطيني من خلال تبرع كل مواطن عربي بدينار واحد، في ظل سياسة الترانسفير التي رفعت لواءها الدولة الصهيونية، وهو ما سيعزز من صموده وبقائه في المنطقة.

كتلة تاريخية

من جهته، قال الدكتور علي فخرو في مداخلته إنه في ظل تقاعد بعض الحكومات العربية عن الدفاع عن شعوبها، فإن شعوبها قد تقاعدت أيضاً عن الدفاع عن حقوقها، ما يجعلنا في وضع مأساوي لا يمكن الخروج منه ومعالجته إلا من خلال كتلة تاريخية .

وفي ما يتعلق بمقترح د . النيباري حول استحداث صندوق للنهوض بالتعليم، قال إن العديد من المحاولات لمحو الأمية كان مصيرها الفشل، لكون العديد من الحكومات العربية مستعدة لإضاعة أموالها في البورصات العالمية على استثمارها في التعليم .

وأضاف أن الوضع العربي وصل إلى درجة من السوء جعلت الدولة البربرية المتمثلة ب إسرائيل وأمريكا تتكالب عليها وتنهب ثرواتها من دون أن تحرك ساكناً، فمن غير المعقول أن تكون دولة كمصر بتاريخها العروبي العريق مدينة للغرب، وهو ما يؤكد ضرورة بدء حراك سياسي أو ولادة قوى تكون أكثر إمكانية على التعاون من القوى السياسية الحالية .

لا بد من وجود نوع من الكتلة التاريخية تستند بمكوناتها إلى الحركتين الإسلامية والقومية، لتفادي المشكلات التي كانت سائدة خلال ال 50 سنة الماضية، التي كان أبرزها الصراع بين الحركات القومية والإسلامية، من هنا تتلخص أبرز مهام هذه الكتلة التاريخية، المتمثلة في ايجاد نوع من التفاهم بين الاتجاهين القومي والسياسي .

حركة تغيير سياسي

الدكتور عزمي بشارة بدوره قال إنه من الصعب الإحاطة بجميع التحديات العربية الداخلية، لكون المسألة تحتاج إلى تخصص لا التعليق عليها في 20 دقيقة، لذا سأحاول الأخذ منها من دون اتهامي بالانتقائية، مع التأكيد أنه من غير الممكن مواجهة الاشكاليات الداخلية من دون طرح نظام سياسي قائم على حركة تغيير سياسي تحمل مشروعاً كبيراً .

يجب أخذ قرار واضح حول الاستراتيجيات العامة من قبل النخبة الثقافية، ومعرفة هل أن هذه النخبة مقتنعة بصحة استراتيجيات عمل الدول العربية وموافقة عليها، أم أنها معارضة بالجملة لهذه الأنظمة، على اعتبار أنه من غير المعقول قيادة الجماهير إلى الشارع في ظل عدم إيمان هذه الجماهير بموقف النخب الثقافية من الأنظمة العربية .

وقال عزمي بشارة إن هناك تحديات داخلية أخرى تتمثل بمرض الاقتصاد الريعي المنتشر في جميع البلدان العربية، وعدم المقدرة على الحديث عن الهويات خارج الحديث عن الأسس التاريخية، على اعتبار مجموعة من التساؤلات الدائرة حول الهوية التي يجب بناء الأمة على أساسها، وهل يجب أن تتم عملية البناء على أساس قومي أم طائفي، أضف إلى ذلك عدم معرفة المثقفين بحقيقة دورهم، وهل هم حقاً يعملون في إطار الأنظمة القائمة، أم عليهم معارضة هذه الأنظمة في ظل عدم وجود قوة سياسية تطرح نفسها بديلة للنظام في أي من الدول العربية؟

إدارة الاقتصاد الكلي

من جهتها قالت الدكتورة شيخة الشامسي إن هناك مجموعة من السياسات التي بموجبها ستتمكن الدول العربية من تحقيق نوع من التنمية، كإدارة الاقتصاد الكلي، وأن لا يترك للسوق كما هو الحال الآن، إذ إن تركه والافنتاح على السوق العالمي أمر غير معقول، أضف إلى ذلك اختلاف الأدوار والغايات بين القطاع الخاص والحكومي، لكون الدولة تسعى إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فيما يسعى القطاع الخاص إلى الربح .

وهنا من الضروري أن لا تغيب الاعتبارات السياسية والاجتماعية عن اهتمامات الدولة المطالبة بوضع ضوابط لتشجيع الاستثمارات من خلال تشريعات تتبناها بالعودة إلى خطتها الاقتصادية .

كما يحب المواءمة بين التعليم وسوق العمل من خلال مخرجات التعليم للحصول على أيد ماهرة، وهو ما يتطلب التركيز على المهارات والتفكير الإبداعي، فضلاً عن توجيه مخرجات التعليم لضمان سوق العمل المستقبلي، من دون إغفال ضرورة الاعتناء بالتعليم الثانوي وتطوير سوق العمل الذي يعاني خللاً .

كما أن من الضروري إشراك أفراد المجتمع في العملية التنموية من خلال تقاسم النمو ووضع الخطط الاقتصادية الأولية، وإنشاء مراكز متخصصة للعلوم البحثية، يتم تمويلها من قبل الأنظمة، للحصول على دراسات واقعية من خلال هذه المراكز التي تتولى الحكومات مسؤولية إنشائها، على أن يقوم القطاع الخاص بتمويلها، نظراً للفائدة التي سيجنيها من وجودها .

ويجب أيضاً أن تخضع جميع القرارات الحكومية إلى دراسات ما يستوجب إنشاء مجالس للتشاور لضمان المشاركة الكبرى، وتشجيع الاتجاه إلى مجتمع المعرفة، ما سيؤدي بدوره إلى وضع حد لمشكلة البطالة .

اغتراب التعليم

أما الدكتور عصام الرواس فقال إن التعليم يعتبر واحداً من أهم التحديات الداخلية وإن المشكلة الأساسية التي يمكن من خلالها القضاء على البطالة، وهو ما تتميز بها بقية الدول، وهنا يجب أن نسأل أنفسنا ماذا نريد من التعليم وربطه بالمخطط الاقتصادي .

أضاف: من غير المعقول أن نعاني ضعف التعليم مع وجود أكثر من 500 جامعة و2000 كلية في الوطن العربي، كما أنه كيف من الممكن أن نقوم بتنقيح التعليم ليفهمه العالم في ظل عدم فهمنا للتعليم العالمي؟

وأضاف أن اغتراب التعليم وفرض لغات أضرا بالعملية التعليمية وأضعفها، ومن هنا يجب الاعتماد على اللغة العربية لمحاربة شعور الدونية التي يعانيها المواطن العربي، كما أن الهيئات التعليمية تتحمل مسؤولية غياب الرؤية الواضحة المتلازمة بالجهات التنموية والاقتصادية .

ودعا إلى ايجاد نوع من التناسق بين التربويين والاقتصاديين للخروج بمشروع تنموي، للوصول إلى مراتب الدول المتقدمة .

كرامة الإنسان

الدكتور غانم النجار قال إن معرفة كيفية الضغط على الأنظمة ضرورة لتحسين أوضاعنا الاجتماعية، والمسألة برمتها مرتبطة بحقوق الإنسان ومبادئه العالمية .

واستعرض النجار تجربته عندما كان ممثلاً للأمين العام للأمم المتحدة في الصومال، حيث كان يصر على وضع أهداف تتمثل باستفادة الآلاف من الصوماليين من زياراته سنوياً .

وقال إن كرامة الإنسان يجب أن تكون نقطة الانطلاقة، على اعتبار أن الحوار بمجمله تناول مبادئ حقوق الإنسان، وهو ما صادق عليه جميع الدول العربية، ما يشير إلى إمكانية استغلال ذلك للضغط على الحكومات لتطبيق التزاماتها المتعلقة بمبادئه .