د . ميثاء الشامسي: التميز منهج حياة والنجاحات لا تأتي من دون تضحيات

د . ميثاء الشامسي
أعدها للنشر: هاني عوكل

أكدت الدكتورة ميثاء سالم الشامسي، وزيرة دولة رئيسة مجلس إدارة صندوق الزواج، على أن التميز طريقة ومنهج حياة، وأننا لا نستطيع ربطه بالمؤسسات فقط، أو نحصره بالمشهورين، ذلك أن التميز يجب أن يكون بداخلنا، ولا يمكن تحقيق النجاحات الفعلية من دون جهود وتضحيات ومسؤوليات .

وتساءلت أثناء محاضرة عقدت بمركز الخليج للدراسات في دار الخليج، يوم السبت 3/3/2012: كيف يمكن صقل منظومة التفكير نحو التميز؟ وكيف يمكن خلق ثقافة التميز لدى العاملين وإيجاد الشعور المشترك لتحقيقه؟ هل مؤسساتنا التعليمية قادرة على اكتشاف المتميزين؟ هل مؤسسات العمل لدينا مستعدة لتحدي اكتشاف القدرات الحقيقية للمتميزين واستعمالها في تميز هذه المؤسسات؟ .

الوزيرة اعتبرت أن التميز يكمن في استثمارنا للقدرات الداخلية التي لدينا، مع استغلال البيئة المحيطة والداعمة بطريقة مُثلى، بحيث نُقدِّم فيها أفضل ما لدينا، سواء في الأسرة أو العمل بكل أنواعه وأجناسه، وعدم حصر التميز في التفوق الدراسي، أو الحصول على معدل ممتاز في الثانوية العامة .

وفي حين تطرقت إلى أن مؤسسات القطاع الخاص أول من نادى بالتميز واشتغل على أن تكون هناك آليات عمل ومعايير له، إلا أنها في الوقت ذاته، ثمنت الخطوة التي انطلق منها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، للارتقاء بالعمل الحكومي الرسمي، معتمداً على تغيير المنطق والمفهوم، الذي مكَّن القطاع الحكومي من تبني معايير التميز .

في موضوع التميز المؤسسي، الوزيرة انتقدت ما يمكن تسميته التميز بالوكالة، مشيرةً أن هناك مؤسسات تلجأ إلى بعض الشركات المتخصصة وضع المعايير أو وضع النقاط، أو الارتقاء بآليات العمل في الأقسام والإدارات، من أجل الحصول على النقاط من قبل المراقبين الذين يحاسبون على التميز .

وفي هذا الصدد، رأت أنه من الضروري إعادة النظر في مفهوم ثقافة التميز في المؤسسات لدينا وفي المنزل والمدرسة، باعتبار أن التميز هو ذلك الجهد الذي يبذله الموظفون بكفاءة واقتدار، ويتعلمون كيف يكتشفون قدراتهم، ويستثمرونها ويطورونها، لتحقيق التألق والتميز .

ومن وجهة نظر الشامسي فإن الماكينة الأساسية التي تؤدي إلى التميز، تتصل بالمنزل والأسرة، لكن ومع الأسف كما تقول فإن، مجتمعاتنا إلى الآن لا تهتم بالتميز الحقيقي عند الأطفال، إذ لا توجد نواد علمية تهيئ هؤلاء لاكتشاف مواهبهم في جوانب معينة .

وتعتبر الوزيرة في المحاضرة التي حملت عنوان التميز هدف أم منهج؟، التي أدارها الدكتور خالد عبدالله، مستشار دار الخليج وشارك فيها مسؤولون وتربويون ومهتمون، أن رعاية الموهوبين في المدارس، لا تأخذ في الاعتبار هذه القضية، فليس هناك توجيه وليس هناك مساعدة، وبالتالي نخسر الكثير من المتميزين، الذين هم بحاجة إلى جهد استثنائي وفرص تساعدهم على التميز .

الوزيرة أقرت بأن التميز عملية مستمرة، بحاجة إلى تطوير القدرات وصقل المهارات والارتقاء بالشخص والأسرة والمؤسسة، لكنها ألمحت إلى أن هناك تكريساً لثقافة التميز الورقي، وليس التميز الحقيقي الذي يبني عقليةً تهتم فعلاً بالتميز الحقيقي وتسعى إليه .

وفي ما يلي المحاضرة التي ألقتها الدكتورة ميثاء سالم الشامسي:

لقد اخترت عنوان التميز هدف أم منهج، ليس مصادفةً وإنما بقصد، لأن هناك سباقاً نحو التميز، وهذا السباق نراه في المؤسسات الحكومية قبل القطاع الخاص، وحقيقةً عندما جاء جهاز الكمبيوتر في بداية الثمانينات وانتقل إلى مؤسسات العمل الحكومية والرسمية والخاصة والمصانع وغيرها، هذا الجهاز اعتمدت عليه وزارات الدفاع، بأن طورته، حتى انتقل إلى جميع مناحي ومناشط الحياة، ووصل أيضاً إلى المنزل، أما التميز فأعتقد أنه انطلق من المنزل، وهو حجر الزاوية الذي يمكن أن يصل إلى المؤسسات ومناشط الحياة كافة، فأول من نادى بالتميز واشتغل على أن تكون هناك آليات عمل ومعايير للتميز، هي مؤسسات القطاع الخاص، خاصةً الربحية منها، نظراً لضرورة الحفاظ على المراكز المتقدمة بالنسبة إلى تلك الشركات، والمحافظة على نسبة الربح السنوي، فلهذا وُضعت معايير للتميز ومنهجيات للعمل، ومنهجيات للارتقاء بالموظفين والاستثمار بهم، حيث عن طريقهم تتحقق للمؤسسات فرصة التميز، والحقيقة أن التميز ليس مقصوراً على المؤسسات، سواء أكانت ربحية أم غير ذلك، فنحن اليوم في الحكومة الاتحادية، نعمل بجد وهناك عدد كبير من الجوائز التي تهتم بالتميز، والجميع يتسابق إلى وضع المعايير والمتطلبات التي يحتاجها التميز، وأُقدِّر وأُثمِّن الخطوة الإيجابية التي انطلق منها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في إدارته للحكومة الاتحادية حيث غيرّ سموه المنطق والمفهوم بأن التميز ليس قصراً ولا حكراً على القطاع الخاص، ولا على مؤسسات من دون أخرى، وإنما يجب أن يكون في القطاع الحكومي الذي يقدم خدمات مباشرة إلى جمهور المستفيدين من أبناء المجتمع، والنقلة النوعية في عملية التميز ومفهوم التميز بحد ذاته، وأعتقد أنها نقلة نوعية وجبارة، أن يتبنى موظفو الحكومة الاتحادية مبادئ ومعايير التميز، حتى وإن لم تنطلق من داخلهم، ومثلما ذكرنا أن التميز حقيقة، فهو عملية فيها عدد كبير من المكونات التي تتفاعل مع بعضها بعضاً، لتنطلق من داخل الإنسان، لأن وجود الموظف المتميز الذي يمتلك قدرات التميز، ووجود فريق العمل الذي يمتلك قدرات التميز، ووجود المؤسسة التي تمتلك قدرات التميز، هي التي تستطيع أن تحقق ثقافة التميز بامتياز، فهذه الثقافة هي طريقة الحياة لمجموعة من البشر، وهي من صنع الإنسان وتشمل الحصيلة الإجمالية لمعارفه ومعتقداته وأخلاقياته وتقاليده وعاداته وقيمه، وهي أيضاً مجموع نتاج طرق التفكير والسلوك، وبالتالي لا نستطيع أن نفصل التميز عن جميع هذه المكونات، ذلك أنه ليس قدرة عقلية وذكاء، وإنما يصحب هذه القدرات قدرات أخرى، لكن إلى أي مدى نستطيع أن نستثمر هذه القدرات الداخلية؟ ذلك أنه يوجد لدينا في حياتنا جميعاً قدرات داخلية وأخرى خارجية، بمعنى البيئة المحيطة، واستغلال الإنسان سواء أكان موظفاً أم مزارعاً أم صاحب مصنع أم مربياً، أم كانت أمّاً، أقول إن استغلالهم للقدرات الداخلية الموجودة، مع القدرات المحيطة بهم استغلالاً أمثل، وتقديم أفضل ما لديهم، هو التميز، لأنه لا نستطيع أن نحصر التميز بأن تكون الأول، ودائماً هناك أول وأول وأول، لكن التميز الذي تستطيع أن تقدمه، هو تقديم أفضل ما لديك، وهذا بحد ذاته تميزاً، سواء من قبل الشخص أو فريق العمل أو المؤسسة العائلية، مؤسسة المصنع، مؤسسة المجتمع، ولذلك فإن قضية ثقافة التميز وصقل منظومة التفكير نحو التميز مهمة جداً، وبالتالي كيف يمكن خلق هذه الثقافة لدى الأفراد والعاملين، حتى نستطيع أن نحقق التميز؟ وبعد المنزل، هل مؤسساتنا التعليمية قادرة على اكتشاف المتميزين من أبنائنا الطلبة؟ هل يوجد هذا النوع من المنهجيات في اكتشاف هذا التميز واستخدامه واستثماره؟ لقد عاصرتُ العملية التعليمية لسنوات طويلة، والمربون والموجهون يقتصرون على وضع فريق الموهوبين من التلاميذ داخل إطار المنهاج الدراسي والمعدل التراكمي الذي يحصل عليه الطالب، والحقيقة أن المعدل في الثانوية لا يكفي لأن نقول إن هذا الطالب إنسان متميز، وكثيراً ممن حصلوا على جائزة نوبل وكانوا متميزين، لم يكونوا من الذين حصلوا على معدلات عالية في المدارس، وأخفقوا أحياناً في اختبارات الذكاء، وهذا دليل على أن التميز لا يعتمد فقط على موضوع واحد، أو معيار الذكاء أو الحفظ أو الاستذكار، لكن معيار الاستذكار والحفظ يمكن أن يساعد التلميذ في الحصول على معدلات عالية، إنما هناك معايير أخرى، حتى يخرج هذا الإنسان ونستطيع أن نحكم عليه في النهاية بأنه متميز .

تميز بالوكالة

هل مؤسسات العمل لدينا مستعدة لتحدي اكتشاف القدرات الحقيقية للمتميزين، واستعمالها في تميز هذه المؤسسات؟ منذ انطلق سباق التميز في المؤسسات، نجد أن الكثير منها يلجأ إلى بعض الشركات المتخصصة في وضع المعايير أو وضع النقاط، أو الارتقاء بآليات العمل في الأقسام والإدارات، من أجل الحصول على النقاط من قبل المراقبين الذين يحاسبون على التميز، لكن أعتقد أن هذه لن تحقق التميز، وإذا لم يحققه الأفراد والعاملون في المؤسسة بكفاءة واقتدار، ويتعلمون عن طريقه كيف يكتشفون قدراتهم، ويستثمرنها ويطورونها ويحققون التألق والتميز، فلن يكون هذا تميزاً مؤسسياً حقيقياً، وأعتبره تميزاً بالوكالة، ومن الضروري إعادة النظر في مفهوم ثقافة التميز في المؤسسات لدينا وفي المنزل والمدرسة، وهذا مهم جداً، وطبعاً نحن لم نأتِ بجديد، لأن الإتقان جزء من التميز، والرسول صلى الله عليه وسلام قال في حديث شريف إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، فالإتقان هو جزء من التميز، وجميع المبادئ الإسلامية في ديننا الحنيف، تحوي إشارات وموجهات للحصول على التميز، كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، وبالتالي من المهم تكريس المسؤولية والأمانة، والأخلاقيات، والمبادئ، القيم، بالإضافة إلى استغلال العقل والتفكير، لأن القرآن الكريم اعتمد على منهجية استخدام العقل، فإلى أي مدى يمكن للإنسان المسلم والمؤمن أن يحقق قدراً كبيراً من الارتقاء بحياته الدنيوية، ويضمن حياةً في الآخرة؟ بأن يُشغِّل الفكر (ألا يفقهون، ألا يعقلون، ألا يتدبرون)، ولذلك فإن العملية تحتاج إلى أن يعمل هذا العقل بجهد كبير جداً .

والحقيقة أننا حينما نبحث عن التميز أو نطالب الموظف بأن يبحث عن التميز، فإننا لا نعتمد على القدرات الحقيقية في التفكير وفي الابتكار، والترتيب والتعليم والنمو والتطور والوصول إلى النتائج والاستفادة منها، هذه التي تنعكس على المؤسسة، إنما نأخذ دائماً الأشياء كأنها جاهزة، وننقلها من موظف إلى قسم ثم إدارة، ثم إلى المؤسسة، لكن التميز الذي لا يستطيع أن يخلق أناساً متميزين، لا نستطيع أن نقول إنه من مؤسسة أو إدارة أو هيئة متميزة، وبالتالي من المهم اكتشاف مواطن القوة، وكل إنسان حباه الله سبحانه وتعالى بمواطن للقوة، وأكرر أن من المهم أن تكشف مواطن قوتك، لأن الشعور بالسعادة يتطلب أن تقضي وقتاً أطول في استثمار مواطن قوتك ووقتاً أقل في التخلص من نقاط ضعفك، ويوجد لدينا جميعاً وحتى المتميزين في العالم، جميعنا يوجد عندنا نقاط قوة وضعف، لكن من تميزوا استطاعوا تحقيق ذلك، لأنهم استثمروا نقاط القوة بشكل بناء وبشكل إيجابي، وأيضاً البيئة المحيطة تساعد المتميز على البروز وتقديم أفضل ما لديه، ولذلك فإن التعليم والثقافة الموجودة . . إلخ، جميعها معطيات تستطيع أن تنمي من طاقاتنا وقدراتنا، حتى نستثمرها الاستثمار الأمثل، ومنهجية العمل في قضية التميز بالنسبة لبناء الإنسان وبناء المؤسسات المجتمعية، هي قضية بحاجة إلى وقفات وإلى إعطاء جانب من التركيز عليها، حتى تكون ثقافة التميز منهجية تُدرس وتُثار بين تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، ولا نستطيع أن ننتهي بمفهوم التميز، وتلخيصه بأن مؤسسة (س) أو (ص)، هي التي حققت التميز، ولذلك من الضروري أن نخلق في الإنسان نواحي إيجابية وقدرته على إعطاء الأفضل، وقدرته على أن يكون إنساناً متميزاً، وليس هنالك حدود للتميز، فالأم في المنزل تستطيع أن تكون متميزة، والمزارع يستطيع أن يكون متميزاً، وصاحب المزرعة كذلك، وبالتالي لا نربط ذلك بوجود شركات أو مؤسسات ربحية أو قطاع خاص أو عام .

هناك مقومات للتميز، وسأتطرق هنا إلى بعض النقاط الأساسية، وذكرت جزءاً منها قبل قليل، فما نملكه من قدرات عقلية يشكل إحدى مقومات التميز، وذكاؤنا الفطري والعاطفي كذلك، وأقصد بالذكاء العاطفي مدى قدرتي على العزم والمثابرة والصبر، وإن كان لدي جانب من الحكمة من أن أستفيد من المعطيات الموجودة، إذ هنالك أناس لأن ظروف عملهم فقط أتاحت لهم العمل في مكتبة، أصبحوا خبراء ويكتبون، وهناك أيضاً أناس كانوا يعملون موظفين (سنترال)، ويردون على المكالمات المختصة بالبورصة، وبعدها أصبحوا يعلمون متى يقفز السوق وترتفع الأسهم . . إلخ، وبالتالي تميزوا في ذلك، وعليه يمكن القول إن الإنسان هو الذي يستطيع أن يكتشف هذه الطاقات، ويستطيع أيضاً أن يستثمرها، لكن هل يكفي اكتشاف واستثمار الطاقات؟ الجواب أننا بحاجة أيضاً إلى جانب ذلك، إعداد دؤوب في اكتساب المعرفة والخبرات وصقل المهارات، والأخذ في الاعتبار دور العملية التعليمية والمعلمين والتواصل الدائم مع كل ما من شأنه الارتقاء بأفكارنا وبلورة قدراتنا، ومثلما ذكرت يمكن القول إن للعملية التعليمية جانباً كبيراً، فأغلب الطلاب في العالم وخاصةً في الوطن العربي، يعانون مشكلة دراسة المواد العلمية، ولو جئنا بالذات إلى مادة الفيزياء، سنجد أن 90% من طلاب العلمي، يلاقون صعوبة في تعلمها، ليس لأنها صعبة، وإنما لأن من يدرسون الفيزياء لا يعلمونها، وبالتالي لا يستطيع أي إنسان غير ملم في جوانب الثقافة أو التعليم، أن يأخذ بيد الطالب ويكتشف تميزه في جانب لا يستطيع هذا المعلم أن يعطيه للتلميذ، وأحياناً نقضي على بعض المتميزين عن طريق عملية تعليمية لا توجد لديها بيئة داعمة، ولذلك فإن البيئة الداعمة مهمة، وكمعلم فاهم للمادة التي يدرسها، وفاهم للعملية التعليمية والفروق الفردية بين الأطفال، يستطيع أن يلاحظ قدرة الطلاب على التعاطي مع الموضوعات التي يتناولها، ويكتشف تميزهم ويأخذ بيدهم، ولذلك أكرر أن الإعداد الدؤوب يحتاج إلى عملية تعليمية واكتساب خبرات ومهارات، وأقول لكم من تجربة شخصية، العبرة ليست في حجم الخبرات التي تحصل عليها، وإنما العبرة في كم تستثمر في هذه الخبرات، وكلما استثمرت في الخبرة أو المعرفة التي تتلقاها، كلما وثقت علاقتها في بنيتك الفكرية والروحية والشخصية، وبالتالي ساعدتك على تطوير قدراتك ومهاراتك، لكن عملية الكم الهائل من المعارف ومن دون استخدام، ستتناساها مع الزمن، لأن المعرفة يجب أن تكون مثل الجواهر، بحيث أن الإنسان يحصدها كأنها جوائز قيمة يستفيد منها، وعدم معرفة الإنسان لما يعترضه من معارف ومهارات، وعدم استثمار هذه المهارات، لا يقوده إلى التطور والنمو، ولنفترض مثلاً، أن هناك موظفاً رُقي إلى منصب مدير إدارة، فكثيراً ما يفكر في أن دوره انتهى، والحقيقة أن من لا يعمل بيده ويقرأ ويفكر، فهذا الإنسان لن يتعلم، مثل الشخص الذي يجلس على شاطئ البحر ويشاهد الناس يسبحون، وهو كل يوم يرغب في السباحة ولا يستطيع القيام بذلك، لأنه يكتفي بما يملكه من مهارات، ولذلك أقول إن الإنسان لا يستطيع أن يطور مهاراته إذا لم يسع لتنمية قدراته ويواظب على العمل بيده وعقله وفكره، ومن المهم التكييف بين الوقت والنتيجة، نحو تطوير الخبرات من أجل الارتقاء إلى التميز، ومثلما ذكرنا بأن من المقومات الأساسية أن تكون هناك بيئة داعمة، وأحياناً نجد دولاً تفتقر إلى الإمكانات، مثل تعليم عام ومؤسسات سليمة، ومكتبات ونواد، وهذه كلها تقلل من قدرتنا على اكتشاف المتميزين والاستفادة منهم، أو حتى استثمارهم، لأن البيئة الداعمة لا تعطي هذه الفرصة، حتى نكتشف الكثير من الناس، الذين نخسرهم على مستوى العالم، وبالتالي لا يستطيعون أن ينهضوا لا في أنفسهم ولا في بلدانهم، لأن ظروف البيئة الداعمة لهذا العقل لا تجعله يعمل كما يجب، ولذلك البيئة الداعمة مهمة وضرورية، ومثلما ذكرت سابقاً فإن الذكاء مهم، فهناك مواهب عند بعض الناس في الكرة، الطب، الهندسة، وهذه المواهب يجب استغلالها من ناحيتين، إذ إن المنزل يمكنه المساهمة باكتشاف القدرات لدى الأبناء والبنات، ومع الأسف إلى الآن، مجتمعاتنا لا تهتم بالتميز الحقيقي عند الأطفال، إذ لا توجد نواد علمية تهيئ هؤلاء لاكتشاف مواهبهم في جوانب معينة، والمشكلة لدى بعض الأسر، تكمن في أن على الابن أن يحصل على معدل دراسي، وأن أي شيء آخر يمثل مضيعةً للوقت، وأيضاً رعاية الموهوبين في المدارس، لا تأخذ في الاعتبار هذه القضية، فليس هناك توجيه وليس هناك مساعدة، وبالتالي نخسر الكثير من المتميزين، والحقيقة أن التميز بحاجة إلى جهد استثنائي حتى يخرج، ولا يمكن أن نجد شخصاً تميز أو مؤسسة تميزت، من دون أن يبذل الشخص أو تلك المؤسسة جهوداً استثنائية وتضحيات ومسؤوليات كبيرة، حتى يستطيعوا الوصول إلى هذه الدرجة، فدائماً جهودهم أكثر مما نتوقعه، ثم إن الكثير من المتميزين لا تُتاح لهم الفرصة، بأن يحصلوا على قدر من الظهور كمتميزين، وعلى سبيل المثال، نجد طالب جامعة متميزاً، ولديه قدرة في مجال معين، وبالصدفة جاءت شركة وشاهدت هذا الشخص وأخذت بيده، المهم أن هذه الفرصة جاءت مواتية للقدرات وللطاقات والعمل الدؤوب، وأحياناً الفرصة لا تأتي فقط بمصادفة الأشخاص الذين يحاولون نقل المتميز أو تقديم المتميز، فهناك أناس يولدون في حقبات فيها ازدهار معين أو بدايات معينة لشيء غير موجود، وبالتالي يبدأ هذا الشخص يأخذ دوره ويبرز ويتميز، ولذلك هناك الكثير من الفرص تساعد على أن يبرز الموهوبون والمتميزون، وعدم وجود هذه الفرص قد تقلل من وجود أناس متميزين بالشكل الذي نأمله، وأحياناً الفرصة لا تخدم الكثير من الأشخاص للتميز، ولذلك فإن الإنسان إذا عاش في مجتمع، عليه أن يبحث عن الفرصة، وهي مهمة جداً، وعليه أن يسعى للفرصة، وأن يوائم ما بين قدراته وطاقاته وعمله الدؤوب وجهده المضني، واستثماره لكل ما يحيط به .

بالنسبة للتفكير النقدي وأهميته في الحياة العملية، يمكن القول إنه من الضروري أن يكون لدينا تحليل نقدي للكثير من القضايا، وأي موظف ارتقى إلى منصب مسؤول، عليه أن يعتبر نفسه طالباً جديداً، وإذا اعتبر نفسه مسؤولاً فلن يتعلم شيئاً، ولن يفيد المؤسسة أيضاً، كما لن يستفيد في التميز، وسيخفق في ذلك، لأن التميز منهج وهناك تحديات تقع على عاتق كل من انتقل من منصب إلى آخر، ولذلك من المهم التغلب على هذه التحديات، وهذا يتطلب تفكيراً نقدياً نحو العمل أو الوظيفة الجديدة، ودراسة متأنية لكل ما يتصل بجوانب العمل، وإذا لم يطور هذا الشخص نفسه ويطور وظيفته، فعندها سيكون قضى على التميز، لأن الأخير عملية مستمرة، ولا يمكن أن أقول إن شخصاً متميزاً لأنه مسؤول عن مصانع الأسمنت، لكن إذا وضعته في منصب آخر قد يفشل، وحقيقةً أن الإنسان المتميز لا يمكن أن يفشل، لأن عنده استعداد لإعادة تدريب قدراته وطاقاته، بحيث أن يتعلم من جديد ويستغل البيئة المحيطة به، إدارياً وعلمياً وفنياً، وبالتالي يخلق إنساناً جديداً يستطيع أن يحقق التميز ليس لشخصه، وإنما للمؤسسات التي يرأسها أو يديرها، وعملية التفكير النقدي ومضاعفة الجهد والاستفادة من الذكاء اللغوي والبصري والاجتماعي، ومهارات التواصل الاجتماعي كلها مهمة .

سأذكر خمس قضايا مهمة تمر بأي موضوع للتميز، سواء أكان للإنسان أم المؤسسات، إذ الكثير منا إذا أراد الحرص على طاقاته وتميزه، فعليه أن يحسن الاختيار، والكثير من المتميزين أحياناً ينخرطون في مهام وظيفية أو في نوع من التعليم، لا يتناسب مع شخصياتهم، أو لا يجدون أنفسهم فيه، وبالتالي ينفقون وقتاً طويلاً في دخول المجال، ثم بعد ذلك يقولون إنهم لم يجدوا أنفسهم في ذات المجال، وإنهم بحاجة إلى البحث عن مكان آخر، ولذلك هناك الكثير من المتميزين يضيعون الكثير من الوقت في الانتقال من مبنى إلى آخر، ويفقدون عن طريق هذا التنقل الوقت الذي يجعلهم يحتفظون بمقومات التميز لديهم . أيضاً نجد أحياناً أن المؤسسة لا تختار الشخص المناسب في المكان المناسب، وحتى أتميز كمؤسسة عليَّ اختيار الأُناس المناسبين في المكان المناسب، حتى تكون لدي المعطيات التي تؤهلني في التميز، وعلى سبيل المثال هناك أشخاص مختصون، لكن ليس لديهم الذكاء العاطفي والمثابرة والمواصلة والصبر، وحينما يخفقون يقرون بذلك ويتوقفون، لكن في المقابل هناك أناس يقبلون التحدي ولديهم القدرة على المواصلة وعلى اختيار الأشخاص الجادين والقادرين على القيام بأدوارهم، ولذلك يمكن القول إن الاختيار مهم جداً، فضلاً عن ذلك النجاح المتواضع، إذ في حال شعر الإنسان بالأمان وتساءل لماذا أطلب أكثر، ألا يكفيني أنني نجحت في هذه المهمة، ألا يكفيني إنني نلت هذه الشهادة وهذه الجائزة؟ إذا كان هذا السؤال يراود أي موظف، فمعنى ذلك أنه في المكان الخطأ، ومتى يظن أنه حقق جائزة وانتهى دوره، فهو في المكان الخطأ، والمكان الصحيح لأي متميز هو ذلك المكان الذي يشعره بالسعادة ولا يشعر بالوقت عند العمل، والشعور بالرضا الداخلي مع وجود الحافز أيضاً بدون انتظار المكافأة لهذا الجهد، كل ذلك يجعل من قضية التميز مؤكدة لدى هذا الإنسان .

ثم أيضاً هناك قضية التواصل والترابط، بمعنى أنه إذا كان الشخص في مؤسسة، يفترض كشخص متميز أن يكون لديه علم بالإدارات الأخرى والأقسام المختلفة، والمؤسسات التي تعمل نفس العمل الذي يقوم به، وعليه أن يكون على إطلاع ودراية، والعلاقات العامة لها دور مهم في نجاح الناس، وليس فقط في نجاحهم وإنما في نجاح الأعمال التي تُناط بهم، وبالتالي عملية التواصل والترابط تخلق بيئة عمل حميمية، يشعر الإنسان عن طريقها ويعطي أكثر وأكثر، لأنه يرتبط بهذه البيئة بعلاقة تبادلية، بين الرضا والألفة والسلام وتداول المعرفة، وليس الأنانية، ولذلك فإن الإنسان الذي يسعى لأن يكون هنالك تواصل وترابط، لابد أن يعلم بأنه يحقق تميزاً في هذا الجانب، وهناك النزعات الأنانية لدى الأفراد، الذين لا يرغبون في طرح أفكارهم خوفاً من الاستفادة منها، وهذه ألاحظها بين الشباب، لكن ذلك ليس تميزاً، لأن التميز مثل المُوِّلد الكهربائي، بمعنى القدرة على العطاء والإنتاج، فحتى لو أعطيت مائة فكرة لديك، في المقابل هناك ألف أخرى، وبالتالي عليك أن تشعر بالفخر بأنك علمت، وأن هذا التعليم ساعد المؤسسة، ولا يوجد هناك إنسان يعمل بقلب سليم ونية صافية ومخلصة لوجه الله، إلا وتميز ولاقى جزاء هذا العمل الذي لا يضيع، المهم أن يكون صالحاً وخالصاً لوجه الله، والسباق جميل في الأفكار، والمدير الناجح هو الذي يستطيع أن يخلق من الموظفين بيئة تعليمية تفاعلية تنجز وتعمل مع بعضها بعضاً، وإذا لم يخرج التميز عن طريق هذه الأطر والمحاور، فإنه لن يكون حقيقياً، وإنما يكون تميزاً على الورق، والتميز الحقيقي هو كيف أن توصل الخدمة للناس، وكيف ترتقي بالشركة إلى مستويات ربحية عالية، وكيف تستطيع توفير الأموال بشكل سليم، عن طريق فريق العمل، وليس عن طريق شركات تأتي لتضعنا في أطر معينة، وبالتالي تضع نتائج، وهذه ترفع للمُقيِّمين، ثم نحصل على التميز الذي نسعى له، ولذلك فإن عملية التحفيز الداخلي أو الروحي أو العاطفي جميلة جداً، وعظيمة لأي إنسان وأي مؤسسة، يطمحان للوصول إلى التميز .

الاستمتاع بالعمل

الاستمتاع بالعمل من القضايا المهمة للتميز، إذ إن الإنسان الذي يستمتع بالعمل وحتى من يدرس أو يزرع، وحتى السيدة التي تحضر الطعام وتعمل في منزلها، هذه العملية تؤدي إلى تطوير قدرات الشخص، فالاستمتاع بالعمل يؤدي إلى تطوير قدرات الناس، وبالتالي اكتشاف آليات جديدة وأهداف ومفارقات جديدة، وفي الوقت نفسه أنت تستمتع وتخرج مهاراتك وتطورها وتقدمها، فلو أخذنا تطوير المهارات عن طريق التدريب، يمكن القول إن التدريب مهم، لكنه يعتمد على حب الشخص أو الموظف الذي يتدرب، فهل حقق التدريب له الاستفادة المطلوبة، وهل يستثمر ذلك في حياته العملية، أم أن التدريب مجرد شهادة يحصل عليها آخر السنة ويضعها في ملفه الشخصي؟ ولهذا هناك تكريس لثقافة التميز الورقي، وليس التميز الحقيقي الذي يبني عقلية تهتم فعلاً بالتميز الحقيقي وتسعى إليه عن طريق مبادرات وشراكات وعلاقات جديدة تطور من عمل المؤسسة، وإذا لم نحب العمل بطريقة شديدة، فحينها لن نستطيع تطوير مهاراتنا ولا نستمتع بالعمل، ودائماً أقول لبعض الموظفين، إنه إذا كان وجودك أو عدم وجودك واحداً، فإن المؤسسة لن تحتاج إليك، ويجب حينما تتغيب عن العمل أن أتأثر بهذا التغيب، وأشعر بأن هناك عقلاً وشخصاً ويداً غير موجودة، أما إذا كنت فقط تأتي باكراً الساعة 30:،7 ثم تخرج من العمل عند الظهيرة موعد انتهاء الدوام، فهذا لن يقود إلى التميز ولا يخلق متميزين، ولا ننفي هنا دور المدير، ذلك أن الإدارة الحقيقية لها دور في تعليم الناس، وحينما تدير بشراً وعقولاً، ينبغي أن يكون هناك بعد إنساني وعاطفي، بحيث أن تستثمرهم جميعاً، وتجعلهم متوحدين في تدفق الطاقات، ولا ننكر أن الناحية المادية لها دور مهم في العمل، لكن أيضاً المجال الذي تبدع فيه وتطور طاقات، سينقلك إلى مؤسسة أخرى، لكن عملية الانتقال بسبب مادي، أحياناً قد تحرمك من التميز، لكن الناس قد تفكر على المدى القصير، ولا تنظر إلى المدى الطويل، وفي تجربتي حينما عملت في الجامعة لسنوات طويلة، ورغم الكثير من الوظائف التي كانت تأتيني، إلا أنني فضلت العمل في الجامعة، لأنني كنت أرى في هذه المؤسسة التعليمية أكثر من مكان عمل، فهي مكان نقل عمل ومعرفة والحصول على خبرات متجددة، ومكان تطوير للذات، ولم تكن تهمني المبالغ المالية، بقدر ما كان يهمني تحقيق التطور المعرفي والمهاري في شخصيتي، فلم أُقدِّر ذلك بثمن، ولو طلب مني أن أدفع النقود لفعلت ذلك، ولما كنت حصلت عليها، لأن الفرصة هي التي ساعدتني على العمل في الجامعة، وأعطتني مجالاً كبيراً للتعلم بشكل صحيح والاستفادة من كل شخص قدم محاضرات، وحينما التحقت في الجامعة، كنت أحرص على حضور المحاضرات لبعض الأساتذة في الاقتصاد والإدارة، مع أنني خريجة علم اجتماع، وبالتالي المؤسسة التعليمية بيت خبرة، ومن المهم الاستفادة من هذه المؤسسة، والحقيقة أنه تمر علينا كفاءات في منتهى العقليات المتدفقة والمعطاءة، لكن الناس في بعض الأحيان، لا تقدر وجودهم كفرصة، وبالتالي تقل الاستفادة منهم، وكلما قللت الاستفادة منهم، كلما خسرت كإنسان في تكوين مهاراتك وقدراتك ومعارفك، ومثلما قلت سابقاً، إن الصراع والكفاح والمثابرة تؤدي دائماً إلى تعلم الإنسان، لكن عليه ألا ييأس ولا يقول أيضاً إنه تعلم ويكفي، ومتى قال ذلك، فإنه يصل إلى مرحلة الجهل، وقد ثبت أن العقل قادر على التطور والتحسن في كل وقت، والعقل البشري يزدهر فوق 45 عاماً، ففي هذه السن تكون قد وصلت إلى نتاج الخبرة والعقلية المستنيرة، لكن عدم استغلال العقل هو الذي أدى بالبشرية إلى الكثير من المشكلات، سواء أكانت حروباً أم نزاعات أم تخلفاً أم جهلاً أم حتى ضياع موارد، ورب العالمين حينما خلق الكرة الأرضية، كرَّم الإنسان بأن أعطاه العقل، كما أعطاه البيئة المحيطة من حوله، وكل بلد توجد فيه معطيات وثروات تساعد أهله على أن يعيشوا بشكل جيد، لكن أن هذه الدولة متخلفة وتلك متطورة، فكل ذلك من عمل الإنسان، وهناك دول تمتلك ثروات لكنها ليست متقدمة، لماذا؟ لأنه لا توجد لديها أخلاق، والتميز عندها يقتصر على من يأخذ أكثر، وليس من يعطي أكثر، والشيخ زايد رحمه الله، أسس مبادئ وقيماً وأخلاقيات في الإنسان الإماراتي، وهذه نذكرها للشيخ زايد، ونذكرها لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وشيوخنا كافة، على أنهم ما زالوا يغرسون ويكرسون ثقافة الأخلاق والمبادئ والقيم والهوية الوطنية للإنسان الإماراتي، في كل ما يحيطه من مستجدات، سواء أكانت معطيات تطور تعليمي، أم تطور ثروات، أم تطور قضايا اقتصادية أم سياسية، ولذلك فإن المحك الأساسي هو كيف يتعاطى الإنسان مع القضايا التي حوله، عن طريق طاقاته وعن طريق عمله الدؤوب وكفاحه وصبره وحكمته، وهذه كلها تؤهله لتحقيق الأهداف طويلة الأجل، والإنسان الذي لا يصبر لا يستطيع أن يحقق تلك الأهداف، لأنه دائماً ينظر تحت قدميه، بمعنى أنه يضيع الوقت في التنقل الوظيفي في حال لم يستفد من المؤسسة التي يعمل لديها، وبالتالي لا يستفيد من البناء الذي يبنيه، ولذلك على الإنسان أن يبحث في جميع الاعتبارات، بحيث يُحافظ على استغلال إمكاناته بشكل أمثل وعلى المدى الطويل .

6 حاجات

تبقى قضية أخرى تقع أيضاً في دائرة التميز، ألا وهي التألق، أي ظهورك باعتبارك شخصية معروفة، سواء كنت كاتباً لامعاً أو طبيباً مشهوراً، أو أستاذاً جامعياً، أو مدير شركة عملاقة، وللإنسان ست حاجات أساسية، منها الحاجة إلى التقدير، فحينما يصل الشخص إلى هذا التألق، فهو يحصل عليه من التقدير، سواء من المجتمع أو الناس أو المديرين، المسؤولين، وحتى من سكان الحي، وسأذكر لكم قصة هنا عن جزيرة النخلة، حيث تعتبر أكبر جزيرة بناها الإنسان في القرن الذي نعيشه، وقد استقدمت حكومة دبي اثنين من أكبر المهندسين، الأول هو علي منصور، والآخر أجنبي اسمه ديفيد، وحينما جاءا لبناء جزيرة النخلة بكل المعدات والخبرات والشركات التي كانت لديهما، وجدا تحديات كبيرة، وقالا إننا لم نتعلم وسنتعلم من جزيرة النخلة، واستطاعا التغيير في (التكنيك) الخاص بالتربة التي جلبت من قعر البحر، وغيرا الأنابيب التي يحصلان منها على التربة، كما غيرا أسنان الحفارات التي تطحن الرمل وتفرزه، وحصلا على براءات اختراع أثناء عملهما في المشروع، وهذان المهندسان عملا بطريقة حافظت على تألقهما وأوصلتهما إلى تألق أفضل، ولذلك ليس هناك نهاية، والتميز هو منهج في الحياة وما دام منهجاً، فلا يجب أن يكون مرتبطاً بأهداف، أنك متى حققت الهدف، فإنه انتهى من حياتك، لكنك لا تستطيع أن تعيش من دون المنهج، لأنه الفلسفة التي تعتمد عليها، والطرق التي تضعها لنفسك وتدرسها وتتحرك في ضوئها وكيف تصل وكيف تستغل وتعطي، والناس تعلم من أنت، لذلك يمكن القول إن التميز منهج، وأيضاً يمكن القول إن المتميزين لا يسعون وراء النجاح التقليدي، فدائماً يكدون ويتحدون الصعاب، بسبب رغبة داخلية في السيطرة على حياتهم ومصيرهم واكتشاف العالم، وتحقيق إنجازات عظيمة، رغم وجود حافز داخلي عظيم جداً، لكن لا نستطيع أن ننكر الحافز الداخلي، الذي يعني أنه حينما يكتب اسم المهندسين اللذين تحدثت عنهما، في بناء جزيرة النخلة، بأن يُدرس هذا البناء للأجيال المقبلة، فإن ذلك يشكل حافزاً لهذين المهندسين، بأن تتعرف إليهما أجيال مقبلة وليس فقط الجيل الذي يعايشانه، ولذلك كل هذه القضايا مهمة، سواء أكانت في حياتنا كأشخاص عاديين أم أفراد في مسيرة حياتنا، بدايةً من المنزل والتعليم، ونهايةً بكل ما نستطيع تقديمه في مراحل العمل، أو بالنسبة للمؤسسات التي تعتمد على الناس، لأن المؤسسة عبارة عن مجموعة من البشر، لديهم طاقات وإمكانات واختلافات وأبعاد إنسانية، وعندهم أخلاقيات وقيم، ولا يمكن تخيل شخص متميز من دون الجانب القيمي والأخلاقي، فهناك الكثير من المشاهير والموهوبين وصلوا إلى سمعة معينة وشهرة معينة، لكنهم خسروها بسبب جانب أخلاقي، ولذلك يجب أن تكون هذه التوليفة من القدرات العقلية والذكاء الاجتماعي والعاطفي والمهارات والتطور والنمو والقيم والأخلاق والمبادئ والاستفادة من البيئة الداعمة، هي مكونات لبناء ثقافة التميز، سواء بين الأفراد أو المؤسسات .

التميز بحاجة إلى عملية الإتقان، لأن هذه العملية تتطلب منا أن ننظر إلى قدراتنا كقوى قابلة للتحسين والصقل، لأنها غير محدودة، كما أن الإتقان يتطلب مجهوداً وعزماً وممارسة متواصلة ودائماً ما يصعب بلوغه، والنضج والاستفادة من المعرفة والمواءمة بينها، تجعل الإتقان دائماً عملية متجددة، وعملية تكشف المهارات وتعزز قدراتنا ومجهودنا، والإتقان هو جزء من التميز، سواء في أي عملية، خياطة ملابس، العمل في المصنع، كتابة رواية، منتج زراعي أو صناعي، وهذا يتطلب تفكيراً وتحليلاً، ولابد من تطوير المهارات بشكل مستمر، وأحياناً مع التكرار يصبح الشخص قادراً على أداء عمله بإتقان، لكن هنالك من يعملون ويكررون عملهم أكثر من مرة، لكنهم لا يتقنونه بشكل جيد، ولذلك يجب أن يكون التكرار مجالاً للتعلم، وعندنا التكرار في المؤسسات هو تكرار سنوات الخبرة، بمعنى أن الإنسان يأتيك ويقول لدي 20 سنة خبرة، ويعمل على سبيل المثال في قسم المشتريات، ثم تأتي إليه بعد أكثر من عام، وتقيمه سلباً، لأنك تجده منذ 20 عاماً يكرر المعرفة نفسها التي تعلمها في السنة الأولى، بدون إحداث أي نوع من التغيير، وبدون استغلال طاقاته أو التفكير بعمق أو حتى التواصل بشكل جيد، من أجل تغيير العمل، وأحياناً الرضا قد يخدم الناس، لكنه لا يخدم المؤسسات، والمفروض على الإنسان مع التكرار أن يتعلم أكثر من مهارة، ويتطور، وهنا أناس تعلموا وتطوروا بدون تعليم ودراسة جامعية، بينما هناك متعلمون لم يطوروا أنفسهم، ولذلك أعود وأقول إن عملية الإتقان تحتاج إلى تكرار، هذا الذي يقود إلى استنباط المعرفة والمهارة، عن طريق إعادة هذا العمل والتجربة .

إعادة تقييم

أيضاً نحن بحاجة إلى إعادة تقييم للنتائج، لأن عملية التقييم تحسن وتطور من الأداء الوظيفي ومن مستوى العمل، وإذا كانت النتائج قد أثبتت أن الموضوع الذي عملت عليه مثلاً، لم يحقق أي فائدة، وليس عائداً على المؤسسة أو على الجمهور المستفيد، فهذا يعني أنه من الضروري إعادة العمل، على أن أتقنه وأتقن المهمة التي أقوم بها، ومن المهم أيضاً تحديد جوانب الضعف، سواء أكان في أنفسنا أم مؤسساتنا أم منازلنا، والكثير من الناس يظنون أن الأسرة المتميزة تأتي هبة من عند الله، وهذا كلام صحيح، لكن ذلك يحتاج أيضاً إلى مثابرة وجهد من الأب والأم، ومتابعة وصبر، حتى نخرج بأسرة متميزة، وبمؤسسة قوية، وأحياناً يُتاح لبعض المؤسسات أن يأتيها رؤساء يخرجون نقاط القوة ويغيرونها، باعتبار أن هؤلاء جدد، ولذلك يقومون بتغيير النظام الناجح، ولا يلتفتون إلى نقاط الضعف، وبالتالي هؤلاء يعودون بالمؤسسة إلى الصفر، ولذلك من المهم تحديد نقاط الضعف، حتى تطورها وتستفيد من إثراء شخصيتك ونتاج عملك، والاستثمار الناجح مهم وعلاج الضعف أهم، حتى نحافظ على درجة الإتقان والتميز، وفي النهاية نخلص إلى أن التميز طريقة ومنهج حياة، وأننا لا نستطيع أن نربط التميز بالمؤسسات فقط، أو أشخاص مشهورين فقط، فكم هم المتميزون الذين أبدعوا في مجالات عدة، لكنهم لم يأتوا بأي مستقبل لأنفسهم، أو نجاحات باهرة، ولم يستطيعوا أن يحققوها، وبالتالي يجب أن يكون التميز صادراً من الداخل، ويعتمد على مدى قدرتنا على تحفيز أنفسنا نحو التميز، واستغلال طاقاتنا، وأيضاً بالنسبة للمؤسسات، يجب أن تكون هناك منهجيات إدارية تعتمد على الاستثمار في الموظفين الناجحين، لدعم التميز في المؤسسات .