الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني ومشروع حفظ التراث الشعبي ... (1 - 2)

صحيفة الخليج

شكّل الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني مع جيله من شعراء الثمانينات من القرن العشرين تجارب مميزة رسمت لوحة المشهد الثقافي في الإمارات، فهذا الجيل من الشعراء ينظر إليه بوصفه الجيل الذي أسس لقواعد الإبداع الإماراتي، وأسهمت جهودهم في تعريف العالم بالفعل الثقافي الإماراتي .

وبالرغم من تميزه في مجال الشعر، إلا أن الراحل أحمد راشد كان له العديد من الإسهامات في مجال توثيق الثقافة الشعبية، وصدر له أكثر من كتاب يوثق الأدب الشفهي في الإمارات، وكان مهموماً بحفظ التراث الشعبي أكثر من همه الشعري، وكان ناقداً ذاتياً لتجربته في مجال توثيق التراث الشعبي، حيث اعتبرها تجربة فردية وغير مؤسسية، فهو لأنه كان يطمح إلى رؤية عمل مؤسسي إماراتي يسعى لتوثيق مجمل التراث الشعبي، حتى لا تضيع تفاصيل المجتمع الخاصة في ظل التغيرات الكبيرة والمتواصلة التي اصطبحتها مجتمعات الخليج في تطورها على مدى العقود القليلة الماضية، كما دعا في الوقت نفسه إلى المسارعة إلى جمع ما في صدور الكبار قبل غيابهم عن هذه الدنيا لأنهم المصدر الأخير لتراث الإمارات الشعبي الذي يجب حفظه من الضياع .

وإن رحل أحمد راشد ثاني عن هذه الدنيا قبل أن يكمل مشروعه الذي بدأه في مجال توثيق الأدب الشفوي، فإنه ترك للباحثين في هذا المجال اللبنات الأولى التي يمكن أن تؤسس لمدرسة إماراتية في مجال توثيق الأدب الشعبي المحلي، وإذا أضفنا إليها بعض الجهود التي قام بها باحثون إماراتيون في هذا المجال، فإنه يمكن الحديث عندها عن تحويل هذه الجهود الفردية إلى عمل مؤسسي كما كان يطمح الراحل، الأمر الذي يفتح المجال للحفاظ على الموروث الشعبي الإماراتي من الاندثار . وحرصاً من مركز الخليج للدراسات على توثيق تجربة الراحل أحمد راشد ثاني الأدبية، خصوصاً في مجال حفظ التراث الشعبي، فإن هذه الندوة تسعى للتعريف بهذا الجهد، والبحث في السبل التي يمكن سلوكها لقيام عمل مؤسسي يهتم بحفظ التراث الشعبي الإماراتي، من خلال تناول المحاور الآتية:

المحور الأول: جهود أحمد راشد ثاني في مجال حفظ التراث الشعبي .

المحور الثاني: تنسيق الجهود المختلفة في مجال حفظ التراث الشعبي .

المحور الثالث: مقترحات حول إقامة عمل مؤسسي متكامل لحفظ التراث الشعبي .

إبراهيم سعيد الظاهري:

تعرفت إلى أحمد راشد ثاني منذ مواظبته على الكتابة في إحدى الصحف المحلية، والحقيقة أنه متعدد المواهب، إذ يجمع بين الشعر والقصة والتراث الشعبي والأبحاث والكتب، وما يعجبني فيه أنه يتحدث بطلاقة ولغة سليمة وجميلة، فهو يمتلك فن الخطابة، سواء في إلقاء الشعر أو غير ذلك، ولديه القدرة على التوصيل بطريقة مقنعة بشكل كبير، وهذه مسألة مهمة، ولدينا مشكلة حقيقية تتصل بأننا لا نهتم بأصحاب المشروعات المهمة إلا وقت وفاتهم، مثل اهتمامنا بالتراث يوم وفاة أحمد راشد ثاني، وأُقدر كل المحاولات المتعلقة بإحياء التراث الشعبي وحفظه، لكن هذا الجهد تقوم به مجموعة من الشباب، ومع الأسف المجهودات الفردية لا تؤسس لمشروع، خصوصاً مشروعاً مهماً يتصل بالتراث الشعبي، ثم مع الأسف أيضاً لا يوجد ذلك الاهتمام من المؤسسات الرسمية في الدولة لحفظ التراث الشعبي، وفضيلة النقد غابت عندنا، في الوقت الذي نلاحظ فيه نقداً بين زملاء من نفس المدرسة، سواء من الحداثيين أو التقليديين .

الحقيقة أن حفظ التراث الشعبي بحاجة إلى مشروع عمل كامل متكامل، وإلى فريق ميداني ودعم مادي ومعنوي، وكل ذلك بحاجة إلى جهود مؤسسات، وهي مع الأسف غير منتبهة لهذا الموضوع .

د . موزة غباش:

قدرنا أننا موزعون جغرافياً على سبع إمارات، وهذا التوزيع الجغرافي باعد وقسم العمل التراثي والثقافي تقسيمات جغرافية أيضاً، لكن مرت أربعون عاماً ونحن على حالنا، مبادرات فردية ودعم من قبل المسؤولين، رغم أنه منذ تأسيس الدولة هناك وزارة ثقافة ووزارة إعلام، وكل بلائنا الثقافي من هاتين الوزارتين، فهناك تجربة قريبة حصلت من سنوات معي وفاطمة المغني في مجال حفظ التراث، إذ حينما قررت دول الخليج إغلاق مركز التراث الشعبي في قطر، سلمت لكل دولة خليجية تراثها الذي جُمع خلال سنوات طويلة، وسلم التراث الإماراتي إلى وزارة الثقافة، ثم اختفى هذا التراث، مع العلم بأنني والأخت فاطمة، قمنا على مدى 7 سنوات وبتعاون مجموعة من الباحثين، على جمع تراث مراحل دورة الحياة في دولة الإمارات، وأصدرنا 3 كتب، وتعني دورة الحياة التراث الحقيقي، بمعنى البناء الداخلي لدولة الإمارات، وهذه قيمتها أكثر من قيمة أي مال في الدنيا، وهي كتبت في تلك السنوات من باحثين إماراتيين تراثيين، لكن هذا التراث اختفى في وزارة الثقافة ولم نحصل عليه، وحينما يُقال إن أحمد راشد لم يحصل على منزل في خورفكان، فهذا شيء محزن في دولة تصرف المليارات على الخير خارج حدودها، ولا نريد أن ندخل هنا الموروث الشعبي والتراث الشعبي في مجال العمل الخيري، بل نريد أن ندخل في مجال العمل المؤسسي، ولا يضرنا أن نطالب بهذا الهدف، حيث إن هناك مؤسسة واحدة للدولة .

والمصيبة في عملنا الثقافي هو صراع المواطن مع المواطن، ومهما جرت المحاولات للتوحيد بين هذه الجهات المترفقة على سبع إمارات، فإن الصراع الثقافي يبقى داخلياً، وحتى في جامعة الإمارات أذكر في بداية التأسيس أننا كنا دكتورة واحدة أو اثنتين، وحينما أصبح عددنا ،50 فجرنا الجامعة في حوارات وصراعات لا معنى لها، والحقيقة أن البنية الثقافية الداخلية لدولة الإمارات بحاجة إلى الكثير من العلاجات، ليس على مستوى أحمد راشد ثاني رحمه الله، أو الكثيرين الذين فقدناهم في مجال التراث أو الثقافة، ولذلك الدعوة تتصل بأن تتحرك وزارة الثقافة .

كما أطالب بإعادة وزارة الإعلام وتُبنى من جديد لتكمل العمل الثقافي إلى جانب وزارة الثقافة، ذلك أنه مع الأسف لا نملك إعلاماً وطنياً، إذ مع غياب وزارة الإعلام، أصبحت هناك مؤسسات خاصة وشركات تدير الإعلام في الإمارات، ولا تمثل الوطنية الإماراتية المحددة، فليس لدينا سمة ثقافية أو إعلامية موحدة، ونأمل بأن تمتد روح أحمد راشد ثاني لنا، حتى نفكر بشكل جدي ونصل إلى مؤسسة كبرى، على مستوى الدولة بالكامل، ونحن في ذلك الوقت نستطيع عند الدخول في مرحلة جمع التراث، أن نجدد مناهجنا وأدواتنا ودوراتنا التدريبية لباحثين كثيرين، فأكثر الباحثين الذين كان المفروض أن نهتم بهم، هم خريجو علم الاجتماع والمجالات الإنسانية في كليات الآداب عموماً في الجامعات، وهؤلاء يخرجون من هذه الكليات من دون تدريب، وحتى من دون وظائف في الدولة تُلبي حاجة المتخصص لهذا المجال، فلا يوجد هناك باحث في دولة الإمارات .

وخرجت إلينا شركات التسويق وهي التي تبحث وتدير العملية البحثية في الدولة، حتى لو كانت أبحاثاً سياسية، فهذه تديرها شركات أجنبية في الدولة، وبالتالي انفصل القطاع البحثي عن مضمون الهوية الإماراتية، إلى تسويق وتجارة وربح وخسارة . . إلخ، لذلك امتدت الأيادي الأجنبية إلى هذه المراكز البحثية التجارية الموجودة في الدولة، وأصبح هناك تمويل خارجي لهذه المراكز .

ناصر العبودي:

عرفت أحمد راشد ثاني زميلاً وكاتباً، وتعجبني كتاباته وخصوصاً الأخيرة، وأول علاقتي مع المرحوم، أنه جاءني مرة إلى المكتب ويسأل عن جحام سعود والخيول في خورفكان، وقد كتبت عن آثار الشارقة وهناك نوع من الرسومات الصخرية التي نسميها روك كارفينينج، وتمثل شيئاً تراثياً، المهم أن أحمد راشد ثاني جاء ليسأل عن هاتين المسألتين وماذا تعنيان، وقمت بتفسير ذلك له وهذا حصل في بداية الثمانينات، وما يعجبني فيه الحقيقة أنه باحث يعتني ببحثه ويحاول تفسير الغموض الموجود في الكثير من القضايا التراثية والبيئية والطبيعية، ولا يستورد شيئاً من الخارج ويكتب عنه، لأنه يرى أن هناك الكثير من القضايا في الإمارات ويجب أن تُدرس وأن تُوضح للمجتمع والشعب، وما يهمني في كتابات أحمد راشد التراثية، أنه يعتني ويفسر الغموض .

إذا جئنا إلى موضوع التراث الشعبي، هناك في القاهرة كلية تخرج التراث الشعبي، ومع الأسف لم يتخرج لدينا أحد في التراث الشعبي، وبحكم اهتمامي بالآثار والتاريخ القديم، اضطررت للاهتمام بالتراث الشعبي، وكتبت الكثير من القضايا بين مقالات وكتب، وهمي اتصل بالتوثيق وتوضيح بعض الغموض، وإذا جئنا للحديث عن الجانب الإداري، يمكن القول إن مشكلة التراث الشعبي في الدولة أنه لا توجد إدارة تسمى التراث الشعبي، وهذا منذ إنشاء الوزارات عام ،1971 إلى يومنا هذا وعلى المستوى الاتحادي، ولا توجد ميزانية للصرف على التراث الشعبي، وبالتالي يضيع التراث في الثقافة العامة والفنون، بين إدارات متنوعة، ولهذا السبب في الوزارة الاتحادية التي نُعول عليها، ليس لديها تصنيف في هذا الجانب .

مع الأسف، هناك كتاب متخصصون في التراث الشعبي، انسحبوا ولم يعودوا يعملون أو يهتمون في التراث الشعبي، لأنه لم يهتم بهم أحد، وهذا يدلل على أن مستوى الرعاية ضعيف في هذا الجانب، ثم إن التراث الذي نعمل به هو عالمي، فنأتي ونقول إنه تراث عربي، ونقول أيضاً تراث إقليمي، وأخيراً إماراتي، ونكتشف دوائر تتحدث عن دراسة تاريخ أبوظبي، وآخرون يقولون تاريخ وتراث دبي، وعجمان . . . إلخ، لكن المشكلة أن يتم الحديث عن تراث إقليمي لإمارة معينة، إذ مع الأسف أقحمنا الإقليمية في التراث، حتى أنه أُدخل علينا الاتجار بالتراث، وأصبحت هناك شركات تنتج أفلاماً عن تراث الإمارات، ولا تُراجع من قبل متخصصين، حيث يتم بيعها وعرضها على تلفزيون معين مقابل ملايين، وبالتالي دخل الموضوع التجاري في التراث .

أضف إلى ذلك الاتجار الصناعي، فإذا كنا نصنع العِقال عل سبيل المثال، فإن الصين يمكنها تصنيعه وبأسعار متدنية، وبالتالي تقضي على الصناعات التراثية التقليدية، وهذا ممنوع بأمر من اليونيسكو .

د . أسماء الكتبي:

عرفت أحمد راشد في العام ،2001 وكنا نكتب معاً في نفس الجريدة، وما لفت نظري في العمود الخاص به أنه كان يذكرني بوالدي، لأن صورته الكاريكاتيرية كانت تشبه إلى حد كبير والدي، وعليه اتصلت به وأخبرته بأنه يشبه والدي، فسألني عن تخصصي وأجبته جغرافيا، فأراد معرفة الفرق بين الهور والخور، لأنه كان يهتم بالمصطلحات، فشرحت له معنى الخور، لكنني نصحته بالحديث عن الموضوع مع متخصصين في اللغة وليس الجغرافيا، والحقيقة أنه كان مهتماً بإزالة الغموض عن المصطلحات، خصوصاً تلك التراثية والمحكية في الإمارات .

حينما نتحدث عن حفظ التراث، ثمة من قال إن أغلب هذه المشروعات فردية، وكل ما قام به أحمد راشد ثاني في حفظ التراث عبارة عن محاولات فردية ولم يساعده أحد، وكان مهتماً في توثيق التراث، وفي واحدة من المقالات التي قرأتها له، كأنه يدرك بأنه سيلقى بارئه، لذلك واظب وأكثر على الغزارة في الإنتاج التراثي الشعبي والثقافي بشكل عام .

وأرى أن علينا أن نقوم بمشروع مؤسسي لحفظ التراث، سيكون بالتأكيد أقوى من المشروعات الفردية، كما أقترح على جريدة الخليج إصدار مجلة متخصصة في التراث الشعبي، على أن يكتب فيها متخصصون وباحثون، وهذه لا تتطلب ميزانية كبيرة، إلى حين القيام بعمل مؤسسي يستلزم الدعم المادي والمعنوي .

إبراهيم سعيد الظاهري:

نحن نطرح إشكالية كبيرة جداً، يشكل أحمد عنوانها، ومن مميزات الندوة أنها لا تتحدث عن أحمد كشخص وإنما تتحدث عن أحمد كمشروع، وعلى وزارة الثقافة تبني مشروع التراث، لأن هذا المشروع لا يصلح أن يكون جهوداً فردية، ومثلما تحدث أحد الإخوة أن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع لا توجد فيها إدارة متخصصة بالتراث، عكس سلطنة عُمان على سبيل المثال، التي لديها وزارة الثقافة والتراث، على اعتبار أن الأخير عندهم مسألة حياة أو موت، سواء الآثار أو التراث بشكل عام، وعليه فإن وزارة الثقافة مدعوة للاهتمام بالتراث، في ظل تعدد المراكز الثقافية والهيئات التراثية في مختلف الإمارات .

عياش يحياوي:

رحم الله فقيد الشعر والتراث الشعبي وفقيد الكتابة في الإمارات أحمد راشد ثاني . سأركز على الكتابة لأن أحمد كان من أوائل المثقفين الشباب المنتمين إلى حِرفية الكتابة ومنطقها التفاعلي مع مجاله السوسيولوجي العميق ومع الثقافات في العالم بعد قيام الدولة . وقد كان مشغولاً أيضاً بالشفاهية وثقافتها الخاصة، التي ظلت قروناً تشكل المجال الحيوي للوجدان الشعري والسرديات الشعبية . وأستطيع أن أتحدث بصدقية واثقة عن القيمة الجمالية العالية للكتابة النثرية لدى أحمد، خاصة حين يكتب منطلقاً من وجدانه وذاكرته المزدحمة بسحر زمن الطفولة في خورفكان . أشير إلى نثره الفني لأن المستوى البلاغي والجمالي للنثر هو المقياس الحقيقي للتمدن والتحضر وليس الشعر، الشعر في أصوله هو ابن مجتمعات الغابة والصحراء والبحر والجبال، أما النثر فلا يزدهر إلا في المدن وتعقيداتها وتناقضات القيم فيها لأنه صناعة جمالية قريبة النسب إلى بقية الصنائع في المدينة، وهو الميدان الخصب الذي تمر فيه وبه أجناس الرواية والمقال والبحث العلمي والكتابة المسرحية والسينمائية، وكل هذه الفنون لا تظهر وتتطور إلا في المدينة .

من هنا، كان أحمد من قلة قليلة من شباب الإمارات المثقفين الذين برزت أسماؤهم في المسار الثقافي المحلي، بدءاً من ثمانينات القرن الماضي . شباب تعبوا في تكوين أنفسهم بالقراءة العميقة والمستمرة للمنجز الإبداعي العربي والعالمي . أقول هذا عن دراية لأنني جالست هذا المثقف المميز في بيته بخورفكان وبيته في أبوظبي وفي مناسبات اجتماعية وثقافية غير محدودة .

غير أنني في هذه الكلمة لن أتحدث عن أحمد راشد ثاني من خلال نثرياته الجمالية التي أشرت إليها سابقاً، بل سأعرج مستعجلاً على منجزه في التراث الشعبي المحلي، تاركاً ذلك إلى جانب مساره الشعري إلى مناسبة أخرى .

كنت في أحد أيام مايو/ أيار الساخنة سنة ،1998 واقفاً في شرفة مكتب الخليج بحي النخيل في رأس الخيمة، وإذا بي أرى أطفالاً يلعبون في ساحة مدرسة، وجهت نظري إلى بابها، وإذا على الباب لافتة مكتوبة عليها العبارة التالية: مدرسة ابن ظاهر الابتدائية، كانت إقامتي في رأس الخيمة لا تتجاوز أسبوعاً، ولا أعرف أحداً في المدينة أسأله عن هذا الرجل الذي أطلق اسمه على مدرسة . قلت في نفسي: لا شك في أنه شخصية من الأعيان أو الفقهاء والمربّين . وحين سألت زميلاً في العمل عن ابن ظاهر لم أجد جواباً شافياً، لكنه أرشدني إلى مقر مسرح رأس الخيمة الوطني القريب من منطقة القصيدات .

في مساء اليوم نفسه اتجهت إلى المقر وإذا بي أجد نفسي بين ثلة من شباب رأس الخيمة المثقفين . بعد كأس الشاي والتعارف قال لي الشاعر المرحوم جمعة الفيروز، إن ابن ظاهر شاعر شعبي كبير، ولن تجد شخصاً يمكن أن يحدثك عنه في شيء من التفصيل مثل أحمد العسم . سألته: أين أجد أحمد العسم، فأشار إليه بين الثلة الجالسة .

في المساء الموالي قدّم لي أحمد العسم مخطوطة بخط أحمد راشد ثاني عنوانها: ابن ظاهر بحث توثيقي في شعره وسيرته الشعبية، وهي المخطوطة التي طبعها المجمع الثقافي في أبوظبي لاحقاً . وبذلك كان أول كتاب قرأته عن التراث الشعبي في الإمارات بخط الراحل . وبعد أقل من أسبوع أنهيت قراءة المخطوطة ووقفت على قبر الماجدي بن ظاهر في منطقة الخرّان برأس الخيمة، وصورته وكتبت عنه في الخليج الثقافي . وبعد سنوات قليلة صدر كتابي عن الماجدي بن ظاهر . وكان الفضل الأول في تعرفي إلى هذه الظاهرة الشعرية الإماراتية لمخطوطة أحمد راشد ثاني .

وإن من يقرأ ما كتبه أحمد عن ابن ظاهر يجده فعلاً مادة توثيقية -مثلما أشار هو على الغلاف- جمعت أغلب ما كتب عن ابن ظاهر من دواوين وآراء باحثين ومخطوطات مشهورة . وسيُلاحَظ الجهد الكبير الذي بذله أحمد في ترتيب تلك المادة التوثيقية بحرفيّة المحقق المدقّق وفي شرح كلمات القصائد وتوثيق الحكايات الشعبية المتعلقة بابن ظاهر والملاحق التي تلتها.

ومن أهم ما أصدر أحمد ثلاثيته في الحكايات الشعبية حصاة الصبر، ودردميس، وإلا جمل حمدان في الظل بارك.

تدخل حصاة الصبر ضمن السرد الشفاهي في الإمارات، وكان من أسباب جمع حكاياتها حصول أحمد على وظيفة في مكتبة خورفكان أواخر الثمانينات بتوجيه من الشيخ أحمد بن سلطان القاسمي رئيس دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة آنذاك . وذات صيف جمع أحمد عدداً من طلاب وطالبات الجامعات من أبناء وبنات خورفكان وأقنعهم بضرورة جمع السرديات الشفاهية، وكانت حصاة الصبر من ثمرة ذلك الجهد .

أما كتاب الجزء الثاني دردميس فقد جمعه في شرائط مسموعة ثمرة جهد طالبة جامعية من خورفكان، نسي أحمد اسمها، وهو يأسف لذلك، لأنه كان يريد أن يسجل باسمها هذا الجهد الذي لا يُقدر بثمن .

أما الجزء الثالث من السرد الشفاهي إلا جمل حمدان في الظل بارك، فقد كان وليد مصادفة . فقد دعا أحد أساتذة جامعة الإمارات أحمد إلى حفلة عشاء في بيته بمناسبة مغادرته إلى بلده . وخلال السهرة لاحظ أحمد وجود كرتون مُعدّ لرميه في القمامة، مملوء بالأوراق المكتوبة بخط اليد . فضول أحمد دفعه إلى أن يسأل الأستاذ الجامعي عن الكرتون وما يحتويه . فكان رد الأستاذ: (مجموعة من المقالات في التراث الشعبي، وحكايات شعبية كنت أطلب من تلميذاتي تدوينها ضمن الواجبات الدراسية الحرة، هل تريده؟) .

وما كان لهذا الجزء الثالث أن يصدر لولا الفضول الثقافي لأحمد وغيرته على التراث الشعبي المحلي . غير أن الخسارة الكبيرة تتمثل في عدم صدور الجزء الرابع الذي وعد أحمد بأن يكون دراسة تفصيلية حول الحكايات الواردة في الأجزاء الثلاثة . فهل ترك أحمد مخطوطاً أو بعض مخطوط خاص بهذا الجزء؟ نتمنى ذاك . أقول خسارة كبيرة لأنني أعرف جيداً قراءات أحمد المتنوعة في مجال الأنثروبولوجيا والثقافة الشفاهية على وجه الخصوص، وأعرفه متحدثاً يثير حديثه اهتمام السامعين لوفرة المعلومات التي يتدفق بها لسانه، ولقدرته اللافتة على ربط التفاصيل المتباعدة بعضُها عن بعضها الآخر بحدة ذكائه فتبدو متآلفة مقترِحة أفكاراً جديدة .

أنتقل للحديث عن كتاب رحلة إلى الصير، لأشير أيضاً أن صدوره بدأ بمصادفة، لكنها مصادفة أشبه بسقوط تفاحة نيوتن، استغلها أحمد بوعيه المتقدم وغيرته على التراث الثقافي المحلي . فقد كان في رحلة إلى صنعاء سنة ،1996 وحدث أن شاهد في بيت زميل له أوراقاً من مخطوطة قديمة لمتصوف هو علوي الحداد دوّن فيها ذكرياته في جو عمان والصير، في نهاية القرن الثامن عشر . وما يثير الانتباه في هذا الكتاب هو مقدرة أحمد على الخوض في علم التحقيق الذي يتطلب الصبر والمقارنات والاعتناء بشروحات الهوامش، وتخصيص مساحة من الكتاب لملاحق الأعلام والأماكن والمصادر والمراجع، كما يتطلب تعدد القراءات وتنوعها .

الكتاب ينقسم إلى ثلاثة فصول . الفصل الأول يتناول حركة تصوف في رأس الخيمة خلال القرن السابع عشر الميلادي . تتزعمها عائلة الحداد التي كان لها أتباع في رأس الخيمة .

أما الفصل الثاني فيتناول التعريف بمنظومات الطريقة الصوفية الحدّادية وأهم مشايخها وأتباعها في رأس الخيمة . مثل عبدالله الحداد، وعلوي الحداد، وزين العابدين الحداد .

الفصل الثالث يتناول جانباً من السيرة الذاتية للشاعر محمد صالح المنتفقي الذي عاصر ابن ظاهر في القرن الثامن عشر، الأول رثى السلطان اليعربي سيف بن سلطان الملقب بقيد الأرض والثاني ذكره مادحاً في قصيدة له .

والمنتفقي فقيه وشاعر ومتصوف من أتباع المتصوف عبدالله الحداد والد زين العابدين الحداد، من أصل عراقي من البصرة، عاش في الصير، وله خوارق ومنامات عجيبة ورد ذكرها في كتاب المواهب والمنن .

ويعود الفضل لأحمد في إخراج مادة هذا المخطوط إلى الوجود، باعتباره يغطي مرحلة ثقافية كانت شبه غامضة في تاريخ رأس الخيمة الثقافي والإمارات . لأن الحركة الوهابية قضت على كل ما له علاقة بالتصوف حين توطدت علاقتهم بشمال الإمارات .

ولأحمد كتاب مجهول صدر عن المجمع الثقافي حول الشاعر الكبير راشد الخضر، ورد في غلافه ما يلي: (ديوان راشد الخضر 1905 1980، 115 قصيدة . جمع وتدوين حمد أبوشهاب 1931 2002 . أعدّه للنشر أحمد راشد ثاني) .

هذا الكتاب صدر بعد رحيل الأديب حمد أبوشهاب، ويبدو أن عدم الاتفاق المسبق مع أنجال أبوشهاب تسبب في عدم توزيعه . وما يهمني هنا هو المقدمة التي كتبها أحمد راشد ثاني لأنها تبرز مقدرة علمية لافتة يحتاج صاحبها إلى المعرفة الواسعة بالمجال المدروس والرزانة العلمية والصبر الشخصي . ويبدو أن أحمد كانت تتنازعه شخصيتان، شخصية الشاعر الفوضوي المنطلق المحب للحياة، وهي الشخصية التي أنتجت شعره الحداثي الذي جعل الشعراء العرب يلتفتون إلى موهبته، وشخصية الباحث الهادئ الذي يُعمل عقله في التفاصيل البحثية الدقيقة .

رحم الله أحمد فقد كان شعلة من وعي ثقافي متقدم . ما كنت أدخل مكتبه في مقر العمل حتى أجد الكتب والمخطوطات متراكمة فوقه، لكن تفاصيل كثيرة في حياته لم تسمح له، فأقول في نفسي: كيف لهذا الشاعر الصاخب أن يهدأ فجأة ويستسلم لمنطق البحث العلمي؟ وفعلاً، كان أحمد قادراً على الانتقال من صخب الحياة إلى كهف الباحث العقلاني بمقدرة لا تتسنى لكثيرين، وتلك واحدة من علامات شخصيته التي ستظل -من وجهة نظري- مفتوحة للباحثين إلى أمد بعيد، وما تناولته في هذه الكلمة ليس سوى وقوف عابر على عتبة شخصية ثقافية إماراتية متداخلة ومتشعبة خيوطها .

فاطمة المغني:

إن تقدير أحمد ليس له في شخصه، بقدر ما هو تقدير لكل المثقفين الإماراتيين الذين أفنوا حياتهم في مجال التراث والعمل التراثي، والحقيقة أن أحمد ابن منطقة خورفكان التي وُلد فيها، وأذكره منذ العام ،1978 حين كان عمره في بداية 14 عاماً تقريباً، وأمه إحدى الجارات الفاضلات رحمة الله عليها، حيث كانت تحدثني عن ذلك الولد الشقي، ابنها الوحيد الذي بقي لها في الدنيا، إذ كانت تقول لي إنه يقضي أغلب وقته في الكتابة ولا تعلم ماذا يكتب، وقد أثار ذلك فضولي، فإذا بها تختلس بعض الوريقات، وتحضرها لي لأقرأ، وإذ بي أقرأ كلام ليس ببعيد عن واقعنا، وفيه نوع من التمرد على ذلك الواقع، وتشبيه خورفكان، حيث كان يقطن أحمد في منطقة المديفي القريبة من شاطئ خورفكان، وأعجبني ما كتبه حقيقة، ذلك أنه لم يكن يذهب إلى البحر أو اللعب، بل كان يقضي وقته في الكتابة، وحينما رأيته أخبرته بمدى إعجابي بما يكتب، فأجابني بأنه يتمنى أن يظل يكتب عن المناظر الطبيعية، والتراث، والشياب، والفريج، والمشهد اليومي الذي يراه، حيث مسكنه قريب من البحر والجبال، وتمضي الأيام ويتمرد أحمد على الواقع، وحينما بلغ عمره 17 عاماً، اختفى فجأة من خورفكان، وإذا به يرتحل إلى دبي لوجود أقاربه من جهة والده هناك، وقد كان والده رحمة الله عليه مثقفاً جداً، وربما تأثر أحمد بكتابات والده، مثل جزر الواق واق، وبعض الحكايات عن مدغشقر، التي سمعتها من راشد ثاني ورحلات السفر والغوص .

لأحمد راشد مسيرة في الحكايات الشعبية، وكنا أول فريق عمل منظم في دورات مركز التراث الشعبي، ففي العام 1982 عقدت أول دورة تدريبية في الشارقة، تضم أحمد راشد ثاني إلى جانب فريق البحث، وأُكملت في خورفكان، وأذكر من المدربين آمنة راشد الحمدان، ومحمد البلوشي وحمد المهندي وحسن المهندي، وهؤلاء جميعهم أهلونا أن نكون كاتبين وباحثين في العمل التراثي .

أيضاً أذكر أحمد راشد يوم زفافه، ففي خورفكان لنا عادات وتقاليد مرتبطة بالزواج، منها تحليق المعرس، ثم صبوح المعرس، وأيضاً تجمع يوم الزفاف، وكان منزلي يشكل موقع أحمد راشد ثاني يوم زفافه، حتى أنه في إحدى المناسبات الثقافية، تحدث عن كتاباته وذكر يوم زفافه .

لقد رحل أحمد عن هذه الدنيا وهو عزيز النفس، ولم يكن بحاجة إلى المادة، بقدر حاجته إلى من يرعاه ويطور إمكاناته، ذلك أن أحمد لم يمتلك مسكناً، عكس أولئك الذين اقتحموا المجال الأدبي والثقافي لكي يكسبوا الأجر، فقد عاش أحمد عزيزاً ومات عزيزاً، ومن حقنا أن نتساءل هنا: لماذا لا يكرم الإنسان في حياته وليس في مماته؟ ذلك أن رد الوفاء لابد أن يكون في الحياة ولا يكون بعد الرحيل، ونحن أهل لهذا الوفاء .

بالنسبة إلى موضوع التراث الشعبي، يمكن القول إن ما قام به أحمد وكل الكتاب المثقفين الإماراتيين في مجال حفظ التراث، لا يغني عن وجود مؤسسة تقوم بجمع هذا العمل التراثي، وكنت من أوائل الذين عملوا على جمع التراث، منذ افتتاح مركز التراث، وعملت في جميع مشروعات مركز التراث، حوالي 12 مشروعاً، بدءاً من الحكايات الشعبية، ثم دورة الحياة التي عملت فيها باحثاً أول مع الدكتورة موزة غباش، في المرحلة الأولى وهي مرحلة الميلاد التي حوت حوالي 1900 ورقة مأخوذة من أقصى حدود دولة الإمارات مع قطر والسعودية، إلى أقصى جبال رأس الخيمة وآخر الفجيرة، وهو بحث ميداني موثق بالكامل عن دورة الحياة، ويشمل ذلك العادات والتقاليد والمعتقدات، بدءاً من الحمل إلى أن يبلغ الطفل 12 عاماً، وأكملنا المرحلة الثانية المتعلقة بالزواج وتقاليده، مدعمة بالصور، ثم مرحلة الوفاة وما يرتبط بها من أقوال وحكم وأمثال شعبية، ثم مشروعات أخرى مثل الطب الشعبي، والحياة اليومية لإنسان الإمارات، وحينما أقفل مركز التراث الشعبي في قطر، ذهبنا لزيارة المكان حتى نحصل على عملنا، لكنهم أخبرونا بأن العمل سوف يُسلم إلى وزارة الثقافة والشباب في دولة الإمارات، وأتساءل هنا: أين وصل هذا الإرث الثقافي للإمارات؟

وأيضاً كتبت كتاباً عن النخيل عروس العرب، وآخر عن الزينة وأزياء المرأة وأعطيته لوزارة الثقافة منذ أربعة أعوام، وأنتظر طبع الكتاب في كل دورة لانعقاد معرض الكتاب، مع العلم بأن الكتاب يحوي 1000 صورة لزينة وأزياء المرأة في الإمارات، ومفردات وأمثال شعبية تتعدى 200 مثل مرتبط بالملابس .

وصدر جزء لشيخة الجابري عن الزينة، وبقيت ثلاثة أجزاء، واحد لياسمين عن العطور، والآخر لأمينة إبراهيم عن المجوهرات، معتقدين أنه سيكون عبارة عن موسوعة كبيرة، ومرات كثيرة ذهبنا إلى المطبعة ولم نحصل على الكتاب، وعليه أتمنى أن يطبع هذا الكتاب، كما أتمنى أن تتخصص وزارة الثقافة وتصبح وزارة الثقافة والتراث، مع تقديري لجهد الوزارة في العمل الذي تقوم به .

عبدالله عبدالرحمن:

قبل أيام على وفاة أحمد راشد ثاني رحمه الله، تلقيت منه مكالمة وكنت حينها في متحف عجمان، وكانت المكالمة الهاتفية فقط من أجل السلام والاطمئنان، وكأنها وداعية، إذ تربطني بأحمد محبة وعلاقة حميمية جداً، وحتى هذه اللحظة أشعر بأنه موجود، ولا أصدق بأنه توفي .

منذ أن كان أحمد طالباً في الثانوية، كان يتردد ويتنقل بين دبي وأبوظبي . . إلخ، ولم يكن يفارقه الكتاب، إذ تجده يتردد بين الصحف والمؤسسات الثقافية، ثم تمر الأيام ويبدأ أحمد الاهتمام بالتراث، حيث فكرنا سنوياً إقامة مشروع مشترك يتعلق بجمع المادة التراثية، وإنتاج أعمال أخرى مشتركة، وبدأنا مع الأستاذ علي المغني في إقامة مشروع اسمه الذاكرة للمعلومات، وهو عبارة عن مكتب صغير، إذ بدأنا جمع وتصنيف المراجع وغيرها، وأنتجنا أعمالاً إذاعية وتلفزيونية للشارقة ودبي، وكانت هناك مشروعات كثيرة عرضناها أيضاً على المرحوم سلطان العويس، فضلاً عن مشروع لم يكتمل مع صقر غباش، لتوثيق سيرة حياة محمد بن سعيد بن غباش، ثم تعرقل المشروع، وبعده أصدرت ندوة الثقافة والعلوم عن تراث محمد بن سعيد بن غباش .

لقد كان أحمد يمتلك فن الإلقاء والخطابة، ولذلك يمكن القول إن شعره الشعبي القديم دائماً في الذاكرة، وأتذكر نادي ابن ظاهر في رأس الخيمة، وتلك الأمسيات التي كان يشارك فيها المرحوم أحمد، ويتجلى ويكون حديث الناس بعد ذلك . ومؤخراً كان هناك مشروع مشترك بيني وبين أحمد، عن طريق هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وهذا ينطلق من اهتمام أحمد وانشغاله بمشروع كبير عن طريق شغله موقعاً في الهيئة المذكورة، لتأسيس مكتبة تراثية كبيرة، تكون الكترونية وسمع بصرية، أي أن الفكرة تمحورت حول تبني المنتج الثقافي والتراثي، وكنت أول شخص يدخل في هذا المشروع، وزودتهم بحوالي 400 شريط من أشرطة المقابلات التي امتلكها، وحصلوا على حقوق سلسلة الإمارات في ذاكرة أبنائها، على أن يتم تفريغ هذه الأشرطة وإعادة تطوير سلسلة الإمارات في ذاكرة أبنائها، عن طريق الهيئة وبإشراف المرحوم أحمد، لكن الآن لا أعلم مصير المشروع، خصوصاً بعد غياب أحمد وانتقال المقر . . . إلخ .

الحقيقة أن أحمد لا يُعوض، وهو من قلة الأشخاص الذين يمتلكون هذا الاهتمام التحليلي والتناول المنهجي والتعمق في تناول موضوع التراث، وهو لا يكتفي فقط بالجمع، وإنما بالتحليل والدقة والبحث عن التفاصيل، ولذلك فإن أسلوبه مختلف جداً ونوعي، وهذا يتجلى في ما نُشر في تجربته ابن ظاهر، وفي المقالات التي كان ينشرها في الصحف حول الموضوعات التراثية، ولم يكن أحمد يهتم فقط بالجانب التراثي، بكل كان مهتماً أيضاً بالجانب التاريخي، وهو متعمق وله كتابات تاريخية قديمة .

في ما يتعلق بالتراث والاهتمام به، مثلما قال المتحدثون سابقاً، هناك إشكالية وتشتت وتهميش وتراجع في الاهتمام عن موضوع التراث الشعبي، والحماس تدنى تدريجياً ونحن نشعر بذلك، وهذا يشمل المؤسسات وحتى الباحثين، فإذا كانت هناك كتب موجودة ولم تطبع، فإن هذه إشكالية حقيقية .

علي المغني:

سأنطلق من حديث الأستاذ ناصر الذي تحدث عن الصناعات الشعبية، وأتفق معه في ذلك، لكن هناك أيضاً إشكالية تتصل بتشويه التراث الشعبي، ويشمل ذلك الصناعات التقليدية، وعلى سبيل المثال، ذهبت إلى أحد الفنادق في دبي، ووجدت في أحد محال التحف، جملاً بسنامين، مكتوب عليه صناعة الإمارات، ذلك أن الجمال عندنا لها سنام واحد، وكان يفترض أن تتابع الجهات المسؤولة والمختصة مثل هذه القضايا .

بالنسبة إلى أحمد راشد ثاني ومشروع حفظ التراث الشعبي، يمكن القول إن أحمد الذي جمعتني به علاقة قوية منذ أيام الدراسة الثانوية، بدأ مشروع جمع الحكاية الشعبية الذي قام به مركز التراث الخليجي بين أعوام 1985 و،1986 وكان هذا أول اهتمام لأحمد راشد ثاني، ثم بعد ذلك عمل مع مجموعة من الطالبات على جمع التراث الشعبي وحفظه .

بعدما انتقل أحمد من خورفكان إلى الشارقة، سكن معي في شقة، وكان بين الوقت والآخر يحضر مجموعة أبحاث معنية بالتراث الشعبي، سواء من الأصدقاء أو من الأساتذة في الجامعة، أو حتى من الطلاب، ويقرأها، وأتساءل هنا عن حال بحوث كثيرة ومهمة قام بها طلاب وطالبات الإمارات في مرحلة الثمانينات، وهي مرحلة مهمة جداً في تاريخ الدولة؟ ذلك أنها بحوث ميدانية وفي تلك الفترة كان فيها كبار السن حاضرون، وأغلب تلك الأبحاث اعتمدت على اللقاءات الميدانية معهم، فلا نعلم الحقيقة أين مصير هذه البحوث، خصوصاً وأنها كانت توثق التراث الشعبي في دولة الإمارات في تلك الفترة، ومع الأسف ربما وُضعت في المخازن، لكن كان بالإمكان الحصول عليها وبالتالي الحصول على كنز كبير يسهم في حفظ التراث الشعبي في دولة الإمارات .

في ما يتعلق بالجهود الفردية والمشروعات التي قامت بها بعض المؤسسات، لا يمكن إنكار المجهودات التي قام بها أفراد، لكن مثل هذه المشروعات تحتاج إلى دعم من قبل المؤسسات المختصة .

في موضوع آخر، يمكن القول إن لدينا إشكالية في ما يتعلق بالرواة وبإجراء المقابلات معهم، ذلك أنه لم توثق ذكرياتهم وهم الأكثر قدرة في وصف الحياة في تلك الفترة، فمنهم التجار والمهندسون والأطباء والمعلمون، وطرحت في أحد الاجتماعات أن علينا إعطاء هذا الموضوع أهمية قصوى، لأنه من المهم الاستفادة من هذا الجيل في توثيق وحفظ التراث الشعبي، ومع الأسف نتيجة لغياب المؤسسات الداعمة، فإن ذلك ينعكس على العمل البحثي والتراثي، وهناك دول كثيرة في العالم تصرف الملايين من أجل حفظ التراث، ومع الأسف نصرف الكثير على منتخبات رياضية، بينما نحن غير قادرين على إنشاء مركز يحفظ تراثنا، ولا أقلل هنا من جهد الإخوان في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، لكن في نفس الوقت أقول إن المطلوب أكثر من ذلك، وعليه من الضروري إنشاء هيئة مستقلة أو مؤسسة مستقلة عن أي وزارة تتبع مجلس الوزراء، تعنى بجمع وحفظ التراث الشعبي في الإمارات، والمهم الآن حفظ التراث الموجود وجمعه وتوثيقه، سواء برامج تلفزيونية أو صور أو مواد مكتوبة .

إبراهيم سعيد الظاهري:

الحقيقة أننا دولة عمرها 40 عاماً، ومتهمون بأننا نملك النفط وليس لدينا ثقافة ولا تراث، وتاريخنا مرتبط بتاريخ المنطقة، بمعنى أننا لم نبدأ منذ 40 عاماً، بل منذ مئات السنين، وهذا يفرض علينا أن نبرز التراث، حتى نبين للجميع أن لدينا تراثاً موجوداً وتاريخاً وهوية حاضرة .

أحمد محمد عبيد:

بعدما توفي أحمد راشد ثاني، أغلب الحديث في الصحافة عنه توجه نحو أحمد الشاعر، وشاركت في ندوة ثقافية مؤخراً، تتحدث عن أحمد الذي هو باحث في الثقافة الشعبية الإماراتية أكثر وأقوى من أحمد الشاعر، فهذا الشخص كان لي شرف زملاته منذ فترة طويلة، لكن زمالة العمل التي بدأت منذ العام ،1999 قد شاءت أن أكون على قرب منه، خاصةً في السنوات الثلاث الأخيرة، لتجاور المكاتب ومكان العمل، وكنت على اطلاع تام بما كان يقوم به .

لأحمد راشد ثاني جهود في الثقافة الشعبية، وله كتب مهمة ومطبوعة هي ابن ظاهر وحكايات من الإمارات ورحلة إلى الصير وهناك كتب أخرى مخطوطة، منها كتاب بين المشافهة والكتابة: حالة الإمارات، وهي عبارة عن مجموعة من الدراسات عن تطور الكتابة ومراحلها، وارتباطها بالمشافهة والكتابة في الإمارات، ونشرت في بعض الملاحق الثقافية الصحفية، وهي مجموعة من كتاب لم يطبع إلى الآن، وله أيضاً تحقيق وتعليقات على كتاب الشعر الشعبي في دولة الإمارات لأحمد أمين المدني، وهذا الكتاب لم يطبع أيضاً، وله ديوان تحقيق لمحمد بن صالح المنتفقي، الذي كان موجوداً في رأس الخيمة، وهذا الكتاب جاهز للطبع، فضلاً عن كتاب آخر لسيرة الشاعر أحمد الكندي رحمه الله، حيث قام بإنجازه أحمد راشد ثاني، والكتاب شبه جاهز لكنه بحاجة إلى بعض الاكتمال .

ولأحمد تعليقات ومراجعة لكتاب ضم الحوارات التي قام بها الأخ حارب السويدي مع كثير من كبار السن، كما له كتاب آخر عنوانه وقفات مع الماضي ويتضمن لقاءات مع كبار السن، وآخر كتاب عمل عليه أحمد راشد ثاني بشكل مباشر، هو ثقافة الطعام في دولة الإمارات، وكنت أعمل معه في هذا الكتاب، ووضعنا أسس البدايات، وحالياً أعمل عليه وقد يستغرق إنجازه عامين تقريباً .

لأحمد أيضاً بعض الملفات عن الشخصيات عن التراث في الصحافة الثقافية، والمشروع الذي وُقع بين عبدالله عبد الرحمن، وبين هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، أيضاً كان أحمد مشرفاً عليه، وحالياً أكمل كل الأعمال التي كان يقوم بها أحمد في هذا الصدد، وهناك أيضاً مجموعة كبيرة من الشرائط في منطقة العين مع الأخت غاية الظاهري، وحيث طلب من أحمد الإشراف على تفريغها .

في ما يتعلق بالمنهج الأساسي عند أحمد راشد ثاني في مسألة توثيق الثقافة الشعبية، يمكن القول إن أحمد أسهم في توثيق هذه الثقافة من حيث المصطلحات الخاصة بالتدوين والتاريخ الشفاهي، مثل السالفة والرمسة والحكاية والإيقاع والقصائد المغناة، فضلاً عن المهن المرتبطة بالكتابة مثل الكراني والكاتب والكتوب . . . إلخ، وعمله على توثيق بعض الشخصيات، خاصةً الشعرية منها، التي ارتبطت بالشعر والكتابة وهناك مخطوطات قد وردت في أشعاره، مثل شعر ابن ظاهر وعلي بن محين الشامسي .

الجانب الآخر المتعلق بعمل أحمد هو توثيق الشعر الشعبي بشكل مباشر، أي بدايات الشعر الشعبي، وتوثيق المادة الشعرية من حيث ملابساتها أو الظروف أو العصر الذي قيلت فيه، ومن حيث اللغة والصورة أو الوصف العام المُتبع في هذا الشعر، وتحقيق مادة الشعر الشعبي الذي وصل إلينا، سواء بشكل مخطوط أو مروي، أو طُبع قديماً، وهذا ما نراه في كتاب ابن ظاهر لأحمد راشد ثاني . وأيضاً وثق أحمد الحكاية الشعبية وساعده في ذلك طلاب وطالبات، وللأسف أن أحمد راشد ثاني وعد بأن يكون هناك جزء رابع عن دراسة نقدية لهذه الحكايات، لكنه لم ينجزه، رغم أن كتاب الحكايات قد طُبع منذ فترة طويلة، وربما كان لأحمد رأي بأن يُؤجل هذا الموضوع للمستقبل أو أن يصرف النظر عنه . بالنسبة إلى الثقافة الشعبية في الإمارات والمعوقات التي تواجهها، ينبغي التأكيد على أننا نعاني غياب الجهة التنسيقية ذات الخطة الشاملة لتدوين الثقافة الشعبية، فهناك جهود حاضرة في وزارة الثقافة وبعض المؤسسات المحلية، مثل هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ودائرة الثقافة والإعلام، وبعض المؤسسات الثقافية الأخرى، لكننا نفتقر إلى جهة ذات دعم ورؤية ومشروع واضح في مسألة الثقافة الشعبية، ففي سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية على سبيل للمثال، لديهم مشروعات ضخمة، وهناك مشروعات على مستوى المملكة السعودية وبإشراف بعض الأساتذة المختصين في التراث الشفاهي، حيث جمعوا آلاف الأشرطة لتفريغها ودونوا آلاف الصفحات، مع إعداد جيل من الباحثين المستقبليين لدعم وإكمال وإنجاح هذه المشروعات . وأذكر أيضاً من المعوقات، ضرورة توفير الدعم المادي والمعنوي لإنجاز أي مشروع ثقافي تراثي، مثل وجود نثريات وسيارات وأجهزة كاميرات وأخرى لتحديد الأماكن، من أجل إنجاز المشروعات التراثية، مع أهمية تحديد مبالغ لكبار السن الرواة الذين يجري مقابلتهم من قبل الباحثين، مع أهمية دعم التفرغ في هذا المجال، وتأهيل الباحثين بالشكل المطلوب، ذلك أن أغلب الخبرات هي نتاج جهود شخصية لمجموعة أشخاص .

المشاركون:

شارك في الندوة كل من:

* أحمد محمد عبيد: باحث وكاتب في التراث الشعبي

* د . أسماء الكتبي: أستاذة في جامعة الإمارات

* إبراهيم اليوسف: محرر في القسم الثقافي جريدة الخليج

* بلال البدور: المدير التنفيذي لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع

* عبدالله عبدالرحمن: إعلامي وباحث في التراث الشعبي

* علي أحمد عبيد المغني: باحث في التراث الشعبي

* عياش يحياوي: هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة

* فاطمة المغني: باحثة في التراث الشعبي

* د . موزة غباش: أستاذة علم اجتماع ورئيسة رواق عوشة بنت حسين

* ميرة القاسم: إعلامية في مجلة المرأة اليوم

* ناصر حسين العبودي: باحث في الآثار والتراث الشعبي وأمين عام اتحاد كتاب وأدباء الإمارات

* يوسف أبو لوز: رئيس القسم الثقافي - جريدة الخليج