مريم لوتاه: مؤسسات مدنية تدفع باتجاه التقسيم على حساب السيادة الوطنية
تغطية: يمامة بدوان
أكدت الدكتورة مريم سلطان لوتاه، أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات، أن المجتمع المدني الذي نطمح إليه في الوطن العربي، عليه أن يكون معيناً للدولة في تحقيق الأمن والاستقرار والارتقاء بحياة المواطن، لكننا نرى إعادة صياغة خارطة المجتمع المدني، بحسب معتقداته الطائفية والعرقية والمناطقية، وبدأت مؤسسات مدنية تعمل بشكل يجذر التعصب العرقي والديني، ويعمل على الدفع باتجاه خيار التقسيم والتجزئة على حساب الوحدة والسيادة الوطنية، الأمر الذي يصب لصالح الاستراتيجيات الدولية والإقليمية تجاه المنطقة، وسوف تُضعف في الوقت ذاته كل من المجتمع المدني والدولة.
وقالت إن بعض الدول العربية تبلورت فيها فكرة المجتمع المدني، وباتت قوية، عكس دول أخرى لا تزال تتصف بالضعف، لتدخلات الدولة نفسها، أو جهات خارجية، مشيرة إلى أنه في حالة عدم التنبه للوضع الحالي، فإننا كدول ومجتمع مدني، سوف ننزلق نحو منعطف خطر، يتمثل في تفتيت الدولة والمجتمع، في آن واحد، وبالتالي لن نتمكن من إنقاذ أوطاننا من هذا المنزلق.
وأضافت في الجلسة الثالثة ضمن فعاليات المؤتمر السنوي 16، لمركز الخليج للدراسات، بمقر دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر، والتي ترأسها حميد القطامي، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لهيئة الصحة بدبي، في ورقة عمل، بعنوان «المجتمع المدني بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج»، أنه ومما شهدناه خلال السنوات الخمس الأخيرة، نلحظ دور الجهات الخارجية في تحليل الوضع الداخلي، بما يخدم أجندات خارجية، من دون النفي بأن هذا التدخل يتم عبر رموز معينة.
وتطرقت الباحثة في ورقة العمل إلى أهمية إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، بشكل تعاوني وتكاملي، لمواجهة ما تمثله التطورات من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وثقافية، خاصة أن التداعيات السلبية لحالة الفوضى التي عمت بعض بلدان الوطن العربي، منذ اندلاع موجات الحراك الشعبي في نوفمبر 2010، قد طالت بنية الدولة والمجتمع في آنٍ واحد، وباتت تمثل تهديداً للواقع السياسي العربي وللدولة القومية، بما تطرحه من احتمالات التجزئة والتفتيت، وتراجع للهوية العربية الجامعة، في وجه صعود الهويات الإثنية والدينية والمذهبية والمناطقية.
قالت لوتاه، إن التحديات المهددة لبقاء الدولة والمجتمع، تستدعي البحث في الإشكاليات التي يواجهها المجتمع المدني، وذلك من خلال 3 محاور، الأول تحت عنوان «الدولة والمجتمع المدني بحث في المفاهيم»، وذلك لوجود اختلاف في تعريف المفهومين، وبالتالي كانا مجالاً للجدل الفكري، في ظل وجود خلط بين مفهوم الدولة والسلطة والحكومة والنظام السياسي، فضلاً عن الاختلاف في تعريف المجتمع المدني الغربي، بحسب الخبرة الغربية ومقارنته بالخبرة العربية.
وتابعت أن المحور الثاني بعنوان «الدولة والمجتمع المدني في العالم العربي بحث في العلاقة الملتبسة»، حيث يتوجب بحث العلاقة ومنع تجاوزها، بهدف تأسيس علاقة تعاونية، في ظل أن وصف العلاقة بالالتباس راجع في أحد جوانبه إلى الظروف التي أحاطت بنشأة الدولة من جهة، ونشأة المجتمع المدني بمفهومه المؤطر من جهة ثانية، والقوة التي تمتلكها الدولة في علاقتها بالمجتمع المدني، وكونها الجهة التي تملك حق إصدار القوانين المؤسسة لقيامه والمحددة لنشاطه والقادرة على حل مؤسساته، كما أن الدولة تعاملت أحياناً بفوقية ونوع من السلطوية مع المجتمع المدني، بدواعي الحفاظ على الأمن والاستقرار، وأحياناً أخرى تعاملت بنوع من الشمولية أو تقييد الحركة، لاعتقادها بأن ذلك سيزيدها قوة.
ولفتت إلى أنه مع الاعتراف بتبلور مؤسسات المجتمع المدني في الخبرة الغربية، ودورها النشط والمؤثر في صنع السياسات، إلّا أنه لا يمكن القول بأنها تقدم ضمانة حقيقية لحماية المصالح المجتمعية، في ظل تعاظم دور القطاع الخاص، وقدرته على التأثير في عملية صنع القرار، بما يخدم مصالحة بالدرجة الأولى، حيث إنه وعند البحث في مسألة نشأة الدولة في الخبرة العربية، يمكن القول بأنها تمثلت في 4 نماذج مختلفة، حيث إن الخبرة الأولى تتمثل في دولة المدنية التي أسسها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أما الخبرة الثانية فتتمثل في دولة الخلافة الراشدة التي أعقبت وفاة الرسول، في حين أن الخبرة التي أعقبت ذلك والمتمثلة في تحول دولة الخلافة إلى دولة ملك، تمثل الفترة الأطول، بينما تتمثل الخبرة الرابعة في الدول القطرية التي نشأت في العالم العربي في أعقاب خروج المستعمر، وقيام الدولة العربية الحديثة بمفهومها القطري في الحدود السياسية التي رسمها المستعمر لها قبل خروجه من المنطقة.
أشارت لوتاه، إلى أن المحور الثالث، جاء بعنوان «المجتمع المدني العربي بين تحديات الداخل وضغوط الخارج»، حيث إن اختلاف الخبرة المجتمعية من بلد عربي لآخر، وما أفرزته من منظمات مجتمع مدني، يجعل الحالات متعددة، لعلاقة المجتمع المدني بالدولة وبالخارج، وإن وجدت بعض القواسم المشتركة للخبرة العربية في هذا المجال، فإنها في مجال المجتمع المدني، وتأثير العولمة الثقافية والثورة التقنية، والتي سمحت بتبادل الخبرات وتعزيز القدرات بين الناشطين والمعنيين بالمجتمع المدني، تحمل البعض على الحديث عن مجتمع مدني عربي واحد عابر للحدود السياسية، بل وتدفع بالبعض أحياناً للحديث عن مجتمع مدني متجاوز للحدود الإقليمية والقومية، وممتد بامتداد شبكات التواصل وقدرتها على التأثير في الفكر والممارسة، خاصة بين شريحة الشباب الأكثر استخداماً لتقنيات المعرفة، والأكثر استعداداً للقبول، بكل ما هو جديد.
طابع شخصي
أوضحت لوتاه، أن الفئة الثانية في التحديات الداخلية، مرتبطة بالثقافة المجتمعية والمجتمع المدني ذاته، وتشمل تراجع القيم الدافعة للعمل التطوعي، خاصة بعد الانتقال إلى العمل الأهلي المؤطر ضمن المؤسسات، ونخبوية المجتمع المدني في العالم العربي، وانفصاله عن المجتمع واحتياجاته، وغلبة الطابع الشخصي على عمل مؤسسات المجتمع المدني، كذلك قصور الأداء الإداري لهيئات المجتمع المدني، وانشغالها بالخلافات فيما بينها أكثر من اهتمامها بالدور المجتمعي المنوط بها، والاختراق الخارجي لبعض منظمات المجتمع المدني عبر التمويل والتأثير في بعض رموزها، كذلك ترحيل الأجندات الخارجية وإسقاطها بشكل تعسفي على المجتمعات العربية، والانتهازية والمصلحية لدى بعض رموز المجتمع المدني في العالم العربي.
مسارات المجتمع المدني
قال حميد القطامي، إن عدة مسارات أسهمت في أداء المجتمع المدني على مر العصور، منها بروز القيم وفلسفة الأديان والعقيدة، كذلك حالة التعليم والتخلف في بعض البلدان، فضلاً عن التطور الاقتصادي والنشاط المعرفي.
وأوضح وجود الكثير من القلق حول تلقي بعض مؤسسات المجتمع المدني لمساعدات خارجية، كونها يجب أن تكون مكملة للدولة.
مداخلات وردود
شارك عدد من الحضور بمداخلات واستفسارات، منها مداخلة قدمتها الدكتورة سماح محمودي، كلية الإمارات بأبوظبي، قالت فيها إن المجتمع الأهلي كان المعاظم دائماً في قيام الدولة الوطنية، إلّا أنه ومن خلال التجربة التونسية، شهدنا في العام 2012، وصول عدد الجمعيات الأهلية بمختلف أنواعها إلى 16 ألف جمعية، الأمر الذي يعني تدفق تمويل خارجي إلى البلاد.
بدورها أوضحت فاطمة الشامسي في مداخلتها أن الأثرياء في العالم الغربي يسهمون في دعم مؤسسات المجتمع المدني بشكل كبير، عكس الأثرياء في الوطن العربي، كما أن هذه المؤسسات باتت تشهد تراجعاً في دورها حالياً، نتيجة عدم وجود ثقافة العمل التطوعي على الساحة العربية.
بينما قال محمد علي الحافظ، «مستشار قانوني»، إن الهجوم نحو الوحدة ونبذ التفتت والاجتماع على كلمة واحدة، سيعمل على معالجة الانزلاق نحو منعطف خطر، مع أهمية إيجاد حل لوقف الاختراق الخارجي للمؤسسات، وسلطة الدولة في آن واحد.
أجندات خارجية
ردت الدكتورة مريم لوتاه، على بعض المداخلات بالقول: خرجت الدول العربية من تحت وطأة الاستعمار، إلّا أن ذلك لا يعني أنها تتصف باستقلال سياسي كامل، بل هو نسبي، كما أنه خلال الخمسينات والستينات، كان المناخ الدولي والإقليمي، يعزز الاستقلال، ثم جاء مناخ يعزز الانعزال.
وأضافت أن الإعلام الإلكتروني قد يشكل خطورة، الأمر الذي يدعونا إلى المزيد من اليقظة للنهوض بالمجتمع.
وأوضحت أن مؤسسات المجتمع المدني تواجه ضغوطاً خارجية، تتمثل في الاختراق الخارجي لبعضها، سواء عبر التمويل الخارجي المشبوه، أو التأثير في رموزه وحملها على تبني قضايا خارجية، أو عبر التأثير في الأجندات الداخلية، وإسقاط قضايا الخارج بغض النظر عن الأولويات المجتمعية، وتفكيك وإعادة تشكيل خارطة مؤسسات المجتمع المدني وفق أجندات خارجية، فبدلاً من وجود مؤسسات مجتمع مدني تخدم شرائح المجتمع كافة، ووفق أولويات وطنية، برزت في السنوات القليلة الماضية مؤسسات مجتمع مدني وفق اعتبارات إثنية أو دينية أو مذهبية أو مناطقية، وبدأت تعمل بشكل يجذر التعصب العرقي والديني، ويعمل على الدفع باتجاه خيار التقسيم والتجزئة على حساب الوحدة والسيادة الوطنية، ويصب لصالح الاستراتيجيات الدولية والإقليمية تجاه المنطقة. واستعرضت، الضغوط الخارجية التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي، وأهمها عولمة الثقافة، إذ يمثل الفضاء المفتوح بفعل الثورة التقنية، والتواصل الثقافي بين الشعوب ضغوطاً على المجتمع المدني العربي.